بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً ، أما بعد :

أيها المسلمون!

  إن من تمام عقيدة المسلم تجاه التوكل أن يعلم أن التوكل لا يعني ترك الأسباب المشروعة المأمور بها، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد ليصلي، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعقل دابتي، أو أتوكل على الله؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام: "اعقلها وتوكل" ، قال أحد العلماء: قال العارفون: التوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوباً بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاً، ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله، وهذا معروف في أمور الحياة العامة، فلا نسل بدون زواج، ولا ثمرة بدون زرع، ولا رزق بدون عمل، فمن نفى الأسباب والمسببات، فتوكله مدخول، وادعاؤه له مزعوم، فعمل الأسباب عبودية لله، واستجابة له حيث أقامنا بعالم الأسباب، ومن الأسباب الدعاء، ومن الأسباب التلبس بالأعمال الصالحة، فللجنة أسباب، فلا تبلغ إلا بالأعمال الصالحة، فالله قادر على إسقاط الرطب الجنية على السيدة مريم دون أن يقول لها : (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) [مريم: 25] ، والله قادر على جعل كفار قريش عمياً دون أن يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم برمي التراب قال سبحانه: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [الأنفال: 17] .

   إذاً لا بد من فعل الأسباب ومباشرتها حتى تتحصل مسبباتها، غير أن هذه الأسباب قد تتخلف عن وظيفتها التي وضعت لها، فقد تحصل، ولا تؤثر شيئاً، كما حصل لإبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، فكانت برداً وسلاماً عليه (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) [الأنبياء: 69] .

  قال ابن القيم رحمه الله: (فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته، وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية)  .

   فالمسلم مطالب بأن يحقق التوكل على الله، ويبذل الأسباب، ولكن لا يتكل  عليها، فالنتائج بيد الله سبحانه.

   وعمر رضي الله عنه يقول: (لقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة) ينكر على جماعة جلسوا للعبادة، وصاروا عالة على غيرهم، فصار يضربهم بالدِّرَّة، ويأمرهم بطلب الرزق.

أيها المسلمون! في الحياة تقلبات، وأحداث وأحوال، وأفراح وأتراح، وشدة وضيق، وفي التعامل مع هذه الأحوال يحصل هفوات وزلات، فتجد فئاماً من المسلمين يجري على لسانهم الخوف من المستقبل، والتشاؤم فيه، كأن الأمور بيد البشر. وفئام أخرى تعلقوا بالسحرة والكهان والمشعوذين، وطلب شفاء أمراضهم منهم، وتصديق أخبارهم وإرجافاتهم وخزعبلاتهم، وكذا الشعور الدائم بالقلق من أمور الدنيا، وعدم الثقة بالله وبموعوده، ومن ذلكم الطمع والجشع المؤديان إلى الشح والبخل، والخوف على الرزق، وعدم صرفه بمصارفه الشرعية، ومثل ذلك التعلق بالطبيب المعالج، واعتقاد أن الشفاء عنده أو بأدويته، أو التداوي بالأدوية المحرمة، أو الخوف على رزق الأولاد ومستقبلهم، ومن ذلكم النفاق، والمجاملة المذمومة مع الآخرين لطلب مــا عندهم دون الله سبحانه، فضلاً عن طلب شفاعتهم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذا طلب الرزق من الطرق غير المشروعة، والتفكير السلبي المتشائم من المستقبل، وكذا الاستجابة لوساوس الشياطين وأوهامهم.

أيها المسلمون!

   كل هذه المظاهر ونحوها مردّها ضعف التوكّل على الله تعالى، وقلة اليقين بالله سبحانه وتعالى، وعدم إحسان الظن به جلّ وعلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)  .

    دع المقادير تجري في أعنتَِّها              ولا تبيتَنَّ إلا خالي البـالِ

   ما بين غمضة عين وانتباهتها         يغير الله من حالٍ إلى حالِ

  فاتقوا الله، عباد الله! وراجعوا أنفسكم، وصححوا أخطاءكم، وعالجوا نقاط الضعف فيكم، وقوّوا توكلكم على ربكم، فالأمر جدّ خطير وعظيم، وصلّوا وسلّموا على الرسول الأمين، صفيِّ رب العالمين، وآله وصحبه أجمعين، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين كما أمركم الله جل وعلا بقوله: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي..........).