بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد:

   عباد الله! إن ما سمعناه من مظاهر ضعف التوحيد في النفوس التي ما إن تتمكن فيها إلا ويرد صاحبها المهالك، ويتمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحاً، ولكن هيهات! فقد فات وقت التكليف، وجاء أوان الجزاء ، فإمَّا إلى جنة، وإمَّا إلى نار.

أيها المسلمون!

   من الخير للمسلم أن يتعرف على أسباب ضعف التوحيد ليتوقاها، ويحذر الوقوع فيها، ومن أهمها: عدم استشعار مراقبة الله تعالى، فإذا أخل المسلم بذلك، ونسي، أو تناسى، أو غفل، أو تغافل عن محاسبة الله إياه، وأن كل شيء مسطر عليه في صحائف أعماله، تَلَهَّى في الدنيا، وتعلق بها، ونسي الله، فنسيه، وصار يهيم في الطرقات المعوجة، ويتخبط في المسالك الوعرة.

   ومن أسباب ضعف التوحيد: أكل الحرام، والتعامل به، وجلب الأموال بالطرق الخبيثة، في المصارف المحرمة، ومن تعامل بذلك ضعفت علاقته بالله عز وجل، فلم يقبل له دعاء، ولم يرفع له عمل، ووكل إلى نفسه، ومن وكل إليها، وكل إلى ضعف وخور، جاء في الحديث الصحيح: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً حتى ذكر الرجل يطيل السفر...) الحديث .

   ومن أسباب ضعف التوحيد عدم المبالاة بالأعمال الصالحة والانشغال بالدنيا وجعلها هي الهم الأكبر، ومنها الانشغال بالملهيات وبخاصة في هذه الأوقات التي كثرت فهيا الفتن وتنوعت.

أيها المسلمون!

   إن هذه الحياة ميدان العمل، وخير العمل ما قوي به التوحيد، وتمكن في القلب، وعالج ما يطرأ عليه، ومن أهم ما يذكر في ذلك استشعار عظمــة الله عز وجل، ومعرفة أسمائه وصفاته، والتدبر فيها، وعقل معانيهــا، واستقرار هذا الشعور في القلب، وسريانه إلى الجوارح؛ لتنطلق عن طريق العمل بما وعاه القلب، فإذا تمكن هذا الشعور قاده إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم، وهداه إلى معرفة الرب الرحيم، فيعمل بما يرضي الجليل الكريم.

    ومما يزيد في التوحيد، ويمكنه في النفوس، العمل بالفرائض، فما تقرب عبد إلى الله بأحب مما افترض عليه. كما ثبت في الحديث الصحيح  .

   ثم بما استطاع عمله بالنوافل المتعددة المتنوعة، لما جاء في الحديث القدسي الشريف الصحيح : (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته...) الحديث، وما يذكر في النوافل، ويزيد في الإيمان والتوحيد، ويمكنه في النفوس: - قراءة كتاب الله تعالى، وتدبره، والتأمل في وعده ووعيده، وقصصه وأخباره، وحلاله وحرامه، وكذا المحافظة على الأذكار الشرعية الموثقة المرتبطة بحال أو مكان أو زمان، كأذكار الصباح والمساء وغيرها. ومما يذكر في النوافل أيضاً أن يخصص المؤمن عبادة سرية بينه وبين ربه لا يطلع عليها إلا الله تعالى، كأن يخصص صلاة في الليل، أو صدقة شهرية، أو أسبوعية، وغيرها من أفعال الخير، وأعمال البر، فهذا أخلص في النية، وما كان كذلك كان أكثر قرباً إلى الله تعالى.

   فاتقوا الله عباد الله، هذا وصلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في القرآن الكريم فقال سبحانه: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).