بحث عن بحث

مظاهر ضعف التوحيد وأسبابه وعلاجه

  الحمدلله الواحد الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي تفرد بأن يعبد ويُحمد، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله الذي نهى عن الشرك وشدَّد ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن لله تَعَبَّد.

    أما بعد: عباد الله! اتقوا الله، ووحدوه، ووثقوا صلتكم به، واعملوا بالأسباب الموصلة إليه تفوزوا في الدنيا والآخرة.

أيها المسلمون!

   التوحيد أصل الأصول، والعروة الوثقى، وأساس الدين، ومنبع الأخلاق والسلوك، وهو الشجرة الثابتة التي تنمو في قلب المؤمن، فيسمو فرعها، ويزداد نموها، ويزدان جمالها، كلما سُقِيَت بماء الطاعة ازداد العبد محبة لربه، وخوفاً منه، ورجاءً له، ويَقْوى توكله عليه، واستعانته به، ولجوؤه إليه، وأنسه به، ويذوق طعمه ولذته، وبهذا يكمل التوحيد، ويقوى في قلب المؤمن.

وإذا حلت الهداية قلباً          نشطت للعبادة الأعضاء

أيها المسلمون!

   غير أن فئاماً من المسلمين ينتسبون إلى هذا التوحيد، ويأنسون بالانتساب إليه، ويزعمون تمكنه من نفوسهم، وتغلغله في قلوبهم، لكن هذه دعاوى لسانية عند كثير منهم لا دليل عليها، فترى منهم مظاهر غير خفية، ودلالات بينة تدل على ضعف التوحيد في نفوسهم، وعدم تمسكهم به، وبعدهم عنه، وهي متفاوتة بين أناس وآخرين، فمن المظاهر الظاهرة في ذلك: الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها، بل والإصرار عليها، واستمرارها، واسمتراؤها، وعدم القلق من ارتكابها، أو الخوف منها، وأعظم من ذلك المجاهرة بها، جاء في الحديث الصحيح: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل، ثم يصبح، وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، وأصبح يكشف ستر الله عنه) . فما أولئك المتخلفون عن صلاة الفجر مع الجماعة، وهم جيران للمسجد، وغير معذورين، أو يرفعون على منازلهم ما يدل على آلات اللهو، ومسخ الفضيلة، ونشر الرذيلة، أو أولئك المتحدثون بمعاصيهم في أسفارهم إلا من هذا الصنف، والعياذ بالله.

   ومن مظاهر ضعف التوحيد، التكاسل عن أداء العبادات، والتثاقل في عمل الطاعات، وإن أداها، فحركات جوفاء يفعلها بجسده، وقلبه يتقلب في أمور الدنيا الدنيئة، ومثل هذا، والعياذ بالله، يصدق عليه قــول الله تعالى: ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) [النساء: 142].

  هذا في حال الفرائض، ولو سألت عنه في حال النوافل، فلا تجده سجل في صحيفته شيئاً يذكر.

أيها المسلمون! ومن مظاهر ضعف التوحيد: التعلق بغير الله عز وجل، والركون إلى المخلوقين، والتشفع بهم، فيما لا يقدر عليه إلا الله، وطلب الحاجات منهم، والمدد منهـم ، أو الطواف حول أضرحتهم وقبورهم، أو التعلق بالسحرة والمشعوذين والدجاجلة والكذابين، والركون إلى الكهنة والمنجمين، وبذل الأموال الطائلة لهم أو تعلق القلب حال المصائــــب

والأمراض بالطبيب واعتقاد أن الشفاء بيده، أو الخوف، والهلع من ذهاب رزقه، ورزق أولاده، فأين التوكل على الله، وأين اللجوء إليه، وأين استشعار قربه ومعيته؟ وأين اعتقاد أنه خالق السماوات والأرض، ومدبر الكون، ومقسم الأرزاق، ومبتلي العباد، يقول الله سبحانه وتعالى: ( ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً)، ويقول سبحانه: ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً، ذلك أمر الله أنزل إليكم، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً). [الطلاق: 3-4-5].

    ومن مظاهر ضعف التوحيد: عدم التأثر بالقرآن العظيم، وما فيه من وعد ووعيد، وزجر وتهديد ، وقصص وأخبار، ومما يضعف التوحيد عدم قراءة القرآن إلا في مواسم متباعدة، فلا تطيق نفسه مواصلة قراءته، ويمل سماعه، ولا يتأثر به، وكذا تجده بعيداً عن ذكر الله غافلاً عن دعائه، لا يحرك قلبه موت الميت، ولا حضور الجنازة، أو شهود دفنها في المقبرة.

   ومن مظاهر ضعف التوحيد: التعلق بالدنيا وملذاتها وشهواتها، والنظر بعين الغيرة إلى من أوتي حظاً كبيراً منها، واعتبار السعادة في الحصول عليها، والبعد عن الآخرة، وضعف العمل لها، فتجد مثل هذا ممسكاً ماله، حريصاً عليه، لا ينفق في معروف، ولا يعطف على مسكين ولا يرحم يتيماً، ولا يحسن إلى فقير، يخشى الفقر، ويأمل الغنى، مسرفاً في شهواته، ويتعدى ذلك إلى الكسب المحرم، يجمع ما هو وبال عليه، وما عرف أن الدنيا زائلة، وحظ المؤمن منها ما أكل فأبلى، وما أنفق فأبقى، وما بقي سيحاسب عليه، من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ فاثبتوا ، عباد الله، وقفوا على الداء، كي تنجحوا في وضع الدواء له قبـل أن يندم النادم، ولات ساعة مندم. اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.