بحث عن بحث

القاعدة العاشرة:

الصبر والثبات

لكل مطلب في الحياة ثمن، ولكل نجاح أو تفوق ضريبة، ولكل طريق في الحياة أشواكها ومخاطرها، فلا يُتصور أن يصل الإنسان إلى منزلة رفيعة أو مرتبة عالية من النجاح والتقدم من غير أن يمر بعقبات ونكبات، والإنسان الطموح الذي لا يزال في بداية الطريق ينبغي أن يضع في الحسبان ما قد يتعرض له من تعب ونصب، وسفر، وسهر، وبذل للأموال، وصرف للطاقة، وحرمان من بعض الملذات من أجل أن يأخذ طريقه في الحياة بشكل صحيح.

وصدق الشاعر حين قال:

لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكله

  لن تبلغ المجد حتى تَلْعَقَ الصَّبرا

والاستمرار في متابعة الطريق نحو النجاح والثبات عليه، من أهم عوامل تحقيق الهدف، فالإنسان الناجح لا يتوقف عن المضي نحو هدفه، ولا يصيبه كلل أو ملل في سبيل ذلك، وإن اشتدت به العقبات وتكاثرت عليه الخطوب، فهذه حال الناجحين، وأما الرخاء الدائم والطرق المحفوفة بالورود والأزاهير فلا تحقق للإنسان الغاية المنشودة، بل تزيد من شقائه وفشله في الحياة، وهو ما عبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات».

وقد أخبر الله تعالى في مواطن كثيرة من كتابه المبين عن حال المؤمنين الذين أوذوا في سبيله، وصدقوا الله ورسوله وثبتوا إلى أن توفاهم الله تعالى، بأنهم قد فازوا بالنعيم الذي كانوا يسعون إليه في الحياة الدنيا، وأنهم قد حققوا هدفهم المنشود، قال الله تعالى: âفَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ á.

صور من الصبر والثبات :

تظهر - أحيانًا - عثرات في رحلة النجاح، ويظن صاحبها أنها الفشل، وأن الرحلة قد انتهت، وتحطمت آماله عندها، ولا يدري أن الأمر بخلاف ذلك، وأن العسر يتبعه اليسر، وأن هذه العقبات إنما هي محطات لتجديد الطاقة، والتزود بالزاد في رحلة النجاح الطويلة، وقد علّم النبي عليه الصلاة والسلام الأمة هذه الحقيقة، من خلال سيرته الدعوية، وهذان مشهدان رائعان من سيرته عليه الصلاة والسلام في الصبر والثبات:

1 ـ خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى الطائف لعله يجد من أهلها ناصرًا أو مؤيدًا لدعوته، لكنه قوبل بالطرد والشتم، ورمي بالحجارة حتى أدميت قدماه، وكان مشهدًا مهولًا يبعث على الحزن والأسى، ووعورة الطريق، إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يدرك أن مع العسر يسرًا، وأن ظلمة الليل يتبعه نور الفجر، وقد تحقق ذلك فيما بعد.

2 ـ في غزوة حنين، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من هزيمة وضعف، ثبت النبي عليه الصلاة والسلام في المعركة وصبر، ثم نادى بأعلى صوته: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزّل نصرك»، فتجمّع المسلمون حوله وبدأوا المعركة من جديد، فتحولت الهزيمة إلى نصر، والانكسار إلى نجاح، قال الله تعالى: âلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿25 ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ á.

عوامل معينة للصبر والثبات :

1 ـ استشعار مكانة الصبر عند الله تعالى، فقد ذُكر في القرآن الكريم أكثر من تسعين موضعًا.

2 ـ الدعاء لله تعالى بالصبر والثبات في السرّاء والضرّاء وفي جميع الشؤون والأحوال.

3 ـ دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم القائمة على الصبر والثبات في شعبها كلها أمام الابتلاءات والمحن المتنوعة.

4 ـ الاستفادة من نمط الحياة لدى المخلوقات الأخرى لتعميق هذه القيمة الكبيرة، فمن الحيوانات: النملة: إذ كيف تصل إلى بناء بيتها؟ لا يكون ذلك إلا بالصبر. وكذا الطيور تغدو خماصًا وتروح بطانًا. والنبات لا ينبت دفعة واحدة.

5 ـ دراسة سير الناجحين، وأحوالهم مع الصبر والثبات في رحلة النجاح، ومنهم الأئمة، والعلماء، والأطباء، والمهندسون، والمبدعون، والمفكرون، والتجار، وغيرهم.

6 ـ الاستشعار بأن لكل عمل عقبات لا تتذلل إلا بهذه العوامل.