بحث عن بحث

دروس من قصة أصحاب الغار

الخطبة الأولى

الحمد لله فارج الهم وكاشف الغم، أحمده سبحانه وأشكره، جعل لكل هم فرجا ولكل ضيق مخرجا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اتخذ طريقهم مسلكا ومنهجا، أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى فالتقوى مفتاح كل خير، ومنبع كل فضيلة، وهي مخلّصة من الشدائد، ومنجية من المهالك والذنوب، ومبعدة للهموم والخطوب ) ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا(.[الطلاق: 4]

أيها المسلمون: قصة سمعناها كثيرا كررها الخطباء والعلماء والمعلمون والمربون، قرأناها ونحن صغار، ووعينا دروسها كبارا، قصة اليوم قصة واقعية ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لتمثل منهاجا لكل مسلم في حياته ليعيش عيشة السعداء، ويموت ميتة المقربين.

تعالوا نعيش أجوائها ونتصور مراحلها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا، ولا مالا فنأى بي في طلب شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج »، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم، كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها »، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون»

 أيها المسلمون: هذه القصة تتفتق فيها المعاني والإشراقات لتشكل معنى واحدا وطريقًا ضخمًا وهو أن السعادة في الدنيا والاخرة في حسن الأعمال، وصلاح النية، وإخلاصها لله عز وجل ) فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا([الكهف: 110].

نل منها ما أأنل منها ما

عباد الله: حديث أصحاب الغار الثلاثة قد لا يذكره الذاكرون إلا في معرض الحديث عن الإخلاص، وجواز التوسل بصالح الأعمال، ونعم بها من أسس في هذه الحياة، لكن النظر فيه بعين البصيرة يفجّر معان عظيمة كبيرة منها؛ في قصة الأول الذي وقف على رأس والديه حتى استيقظا إشكال يستدعي التساؤل، إن هذا الفعل الذي فعله ليس فرضا ولا واجبا، ومع ذلك فقد ارتقى لأن يقبله الله عز وجل ويفرّج عنهم بسببه، ولو أن هذا الرجل اكتفى بأن احتفظ لوالديه بنصيبهما من الغبوق والحليب لكفاه ذلك برا، ولما دخل في دائرة الحرج، فما هو الشيء الذي ارتقى بهذا العمل إلى هذه الدرجة من القبول العليا، إن هذا ما يسمى بالشعور بالتألق، وهو أن يلزم الإنسان نفسه بأمر يكون له أصل في الشرع، ويحافظ عليه مهما كانت الظروف والأسباب، وهذه المحافظة على هذا العمل الراقي هي التي جعلت عمل ذلك الإنسان يرتقي للقبول عند الله جل وعلا، وكل مسلم يستطيع أن يجعل ذلك في حياته بصدقة يتصدقها باستمرار ويحافظ عليها، أو يصلي نافلة و يحافظ عليها مع الفرائض، أو غير ذلك من الأعمال الصالحة، ومن ثم تتحول هذه المحافظة إلى درجة عليا من القبول، وهذا تحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم « أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»

وفي قصة الثاني جريمة اجتماعية كبيرة دفعت بالفتاة أن تتنازل عن أغلى ما تملك، إنها جريمة الفقر التي حاربها الإسلام محاربة لا هوادة فيها، بل جعل هذه المحاربة من أهدافه الأساسية في التشريع، وما الزكاة والصدقات والكفارات والنذور في وجه من وجوهها إلا لتحسين وضع الفقراء في الأمة، ودفع غوائل الفاقة عنهم، وإن سقوط أي فقير في المحظورات يشاركه في الإثم الأغنياء؛ لأن الله فرض في أموالهم ما يسع فقرائهم، وإن تقصير الأغنياء يفتح ثغرة لوجود الجرائم، وما افتقر فقير إلا بقدر ما قصر غني.

وفي قصة الثالث تعطي النموذج الأعلى لكبح النفس وسطوة المال وغلبة الشهوة لتأتي الأمانة والصدق والخوف من الله جل وعلا فينظم هذا الأمان ويبعد الجشع والطمع والأنانية والحقد ونكران حقوق الآخرين.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

!  !!


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون: في قصة النفر الثلاثة من المعاني أن كل واحد منهم كان له موقع؛ فالنفر الأول: يمثل علاقة الفرد بمحارمه وأقاربه، والثاني: يمثل علاقة الفرد مع غير محارمه، والثالث: يمثل علاقة الفرد مع رب عمله، وعلاقة رب العمل مع عامله، وهذه العلاقات تمثل بمجملها مجمل العلاقات الاجتماعية في المجتمع، وقدم هؤلاء الثلاثة ثلاثة من الأخلاق العليا المطلوبة في كل جهة من هذه العلاقات، والمجتمع بأكمله يحتاج إلى تكامل هذه الأخلاق وتلك الصفات الثلاثة، وهي البر والتعفف والأمانة، فإذا كانت العلاقة مع الأقارب والأرحام يلفها البر والرحمة، والعلاقات الإجتماعية الأخرى يلفها التعفف والخوف من الله جل وعلا، والعلاقات المادية والتجارية يلفها الصدق والأمانة، فأي مجتمع يُنشد، وأي علاقات هذه العلاقات وكأنه بهذه الصفات سما في أعلى درجات المدنية، وتبوأت أعلى مراتب الكمال.

أيها المسلمون: ومن أعظم معاني هذه القصة بل وهو لبها الأعظم في تفريج الهموم وكشف الكروب وتيسير الأمور وشرح الصدور وحل المشكلات وتجاوز المعضلات من حسن العمل الذي أمر الله به في وقت الرخاء والاجتهاد فيه، وعمق الإخلاص لله جل وعلا فيه، وفي هذه القصة أعظم عبرة وأجل درس، اللهم أعنا على الأعمال الصالحة الخالصة، وفرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين. أن لنا أعداءا من داخل نفوسنا فكذلك أأ

ثم صلوا وسلموا على خاتم النبيين كما أمركم الله جل وعلا في محكم كتابه المبين: )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما( [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

!!!