بحث عن بحث

اختر صديقك

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي اصطفى لمحبته الأخيار، وصرف قلوبهم في طاعته ومرضاته آناء الليل وأطراف النهار، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه ونعمه الغزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى جميع أصحابه الأخيار من المهاجرين والأنصار، وعلى جميع من سار على نهجهم واقتفى آثارهم ما أظلم الليل وأضاء النهار، أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا.

أيها المسلمون: إن من موازين الإنسان أصدقائه، فالناس تعرف المرء صالحًا أو طالحًا من خلال من يصاحب، بل إن من المؤثرات الأساسية في تكوين شخصية الإنسان ورسم معالم الطريق لها: الصحبة، فإن كانت صحبة أخيارًا أفاضت عليه كل خير، وإن كانت صحبة أشرارًا فمن المؤكد أنها ستترك بصماتها، فصحبة أهل الشر داء، وصحبة أهل الخير وقاية ودواء.

أيها المسلمون: إن الإنسان بطبعه وحكم بشريته يتأثر بصفيه وجليسه وخليله، ويكتسب من أخلاق قرينه، والمرء إنما توزن أخلاقه وتعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه، ولقد جسد ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أبو داود بإسناد صحيح بقوله عليه الصلاة والسلام: « الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

أيها المسلمون: وخطبة اليوم قصةٌ من هذا النوع رواها الحبيب صلى الله عليه وسلم، قصةٌ من أروع وأجمل ما يمس حياتنا، وكل ما رواه عليه الصلاة والسلام جميلٌ وبديع، يأخذ بالألباب، ويشحذ الهمم، ويعلي بالصالحين مراتب العُلى، تعالوا بنا نذهب إلى المدينة النبوية، تلك البلدة المباركة التي شع منها نور الإيمان إلى أرجاء المعمورة فنجد الصحابة الكرام في ذلك الوقت يتحلقون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدثهم من حُسْن بيانه وصدق كلماته، وما أحلى أن يعيش المرء المؤمن ساعة مع نبيه العظيم عليه الصلاة والسلام في حياته، ومع أحاديثه وقصصه وحكاياته بعد رفعه إلى الرفيق الأعلى.

أيها المسلمون: هذه القصة التي ربما نعرف بعضًا منها ولكننا لم نعشها ولم نسمعها كاملة، جاء في الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم: « إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم» قال: « فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا» قال: « فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك» قال: »فيقول: هل رأوني؟» قال: « فيقولون: لا والله ما رأوك؟» قال: « فيقول: وكيف لو رأوني؟ » قال: «يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا وتحميدا، وأكثر لك تسبيحا» قال: « يقول: فما يسألوني؟ » قال: «يسألونك الجنة» قال: « يقول: وهل رأوها؟ » قال: « يقولون: لا والله يا رب ما رأوها » قال: «يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ » قال: « يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ » قال: « يقولون: من النار » قال: « يقول: وهل رأوها؟ » قال: « يقولون: لا والله يا رب ما رأوها » قال: « يقول: فكيف لو رأوها؟ » قال: « يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة » قال: « فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم » قال: « يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم »، تلك هي الرفقة الصالحة.

أيها المسلمون: إن في مصاحبة الصالحين ثمارا عظيمة مباركة فأنت مع من أحببت، كما أخرج البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها». قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء، فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت» قال أنس: «فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم». هكذا يقول أنس فماذا نقول نحن؟

ومن ثمارها: النجاة من فزع ذلك اليوم ) الأخلاء يومئذ بعضهم بعض لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون(]  الزخرف: 67].

ومنها: الانتفاع بدعاء هؤلاء الصالحين بظهر الغيب. شتان عباد الله بين من يقولون: ) ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم(] الحشر: 10]. وبين من يتخاصمون في نار جهنم ) كلما دخلت أمة لعنت أختها(]الأعراف: 38].

ومنها: بركة المجالس والخير الذي يعمها، جاء في الحديث الطويل في فضل مجالس الذكر « يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم » فلا يحرم من الفضل وإن جاء لحاجة، ما دام جلس مع الأخيار فلا بد أن يناله نصيب، فعن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات» فما أعظم تلك النعمة بالجلوس مع الأخيار إذا كانوا سيقومون وقد غفر لهم.

ومنها: جلساء الخير يعرفونك على إخوان الخير فتزداد المعرفة، فصاحب الخير يدلك على الخير وأصحابه وهكذا تزيد الإفادة.

ومنها: التأثر بهم وبأفعالهم، والاقتداء بسلوكهم وأخلاقهم واستقامتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ».

ومن أعظمها: الشفاعة ولو لم يكن من صحبة المؤمن إلا شفاعته يوم القيامة لكفى.

يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: "استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة".

ويقول القائل:

أحـب الصالحيـن ولسـت منهـم                           وأرجـو أن أنـال بهم شفـاعة
وأكــره من تجــارته المعاصـي          وإن كنـا سويًـا في البضـاعة.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونل منها ما أأنل منها ما

نفعني وإياكم بما فيهما من الهدي والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

!  !!

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله: أ

 إن الصداقة الزائفة والمحبة المبنية على تحصيل المصالح الدنيوية وجلب المنافع العاجلة، الحب فيها مصطنع مزيف إذا هبت عليها رياح المصلحة فرقتها ومزقتها لأنها لم تبن على أساس راسخ، ولا أصل ثابت.

إن كل صداقة في غير الله تعالى تنقلب يوم القيامة عداوة محيقة، يقول تعالى عن هؤلاء ) الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين] (الزخرف: 67[.

فيا من تعاشر صاحب سوء لا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين، فإن الله قد نهاك عن ذلك وحذرك منهم، وهؤلاء الذين يتبرأ بعضهم من بعض يقول أحدهم في يوم لا ينفع فيه مال ولابنون: )يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا] (الفرقان: 28[.

روى ابن حبان في صحيحه، وحسنه بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ في دعائه من صاحب السوء كما قال: « اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة».

فيا مريد الخير في الدنيا والآخرة:

أنـت في النــاس تقــاس         بالـذي اختــرت خليــلا
فاصـحب الأخيــار تعـلوا         وتنــل ذكــرا جميـــلا.

فعليك أن تختار الصديق من الناس كما تختار الجميل من المظاهر واللباس، واللذيذ من الطعام، والسائغ من الشراب، فإن أهل الشر والدناءة لا يدخرون لك إلا شرا ودناءة.

واعلم أنه ليس كل من كان جميل اللسان عذب الكلام دائم الابتسامة يكون صديق خير فربما أعجبك ملمس الثعبان ولكنه ربما لدغك لدغة مميتة.

واحذر مؤاخــاة الدنيء لأنه يعدي       كـما يعـدي الصحيـح الأجرب
واختر صديقـك واصطفيـه تفاخرا                    إن القريــن إلى المقـارن ينسب.

قيل لأحد الصالحين: من نجالس؟ قال: "من تذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله".

عن المرء لا تسأل وسـل عن قرينـه  فكل قريــن بالمقـارن يقتـدي

اللهم إنا نسألك أن نكون من الأخيار، وصحبة الأخيار، وعيشة السعداء، وميتة الشهداء، وحياة الأتقياء، ومرافقة الصالحين والأنبياء إنك قريب مجيب الدعاء.

ثم صلوا وسلموا على خير الأصحاب، ودرة الأحباب محمد بن عبد الله ك كككما أمركم الله جل وعلا في محكم الكتاب: ) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما( [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

!!!