بحث عن بحث

قصة جريج العابد

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، نرجو مغفرته وعظيم رضوانه، ونسأله رحمته ونستعيذ به من عذابه ونيرانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الجن والإنس لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى  آله وأصحابه، والتابعين ومن اتبعهم واقتفى أثره واتبع سنته، أما بعد:

عباد الله:يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ومن يتق الله يجعله له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا.

أيها المسلمون: نستمع اليوم إلى قصة رواها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه إذ سمعها من النبي صلى الله عليه سلم فقد روى الشيخان في صحيحيهماعن أبي هريرة، أنه قال: «كان جريج يتعبد في صومعة، فجاءت أمه حين دعته، كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه، فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني فصادفته يصلي، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، ثم عادت في الثانية، فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج وهو ابني وإني كلمته، فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات. قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، قال: فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي، فحملت فولدت غلاما، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير، قال فجاءوا بفئوسهم ومساحيهم، فنادوه فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم، قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك نزل إليهم، فقالوا له: سل هذه، قال فتبسم، ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه ترابا كما كان، ثم علاه».

أيها المسلمون: إن جريجا كان رجلا راهبًا في صومعة له يعبد الله تعالى، ويتبتل إليه، انقطع عن الدنيا وأخلص وقته ونفسه لله تعالى، وكانت صومعته على صخرة عالية في الجبل، وتحتها كهف يأوي إليه أحد رعاة البقر فيقيل ويمسي، جاءت أم جريج مرة وهو يصلي صلاة نافلة فدعته ونادته، وكان عليه أن يجيب دعائها، فقال في نفسه: أيهما أفضل يا ترى الاستمرار في صلاة النافلة وأنت واقف بين يدي الله تعالى، أم قطع الصلاة وإجابة دعوة الأم التي هي فريضة، لم يكن يدري ما يفعل إلا أنه آثر إتمام الصلاة رغبة في تمام الثواب، وسوف يفرغ حينئذ لأمه ويبرها، فظن أنه بذلك ينال أجرين، وعادت الأم تنادي مرة أخرى يا جريج أنا أمك أناديك فهلم إليّ، إجابتي خير لك في الدنيا والآخرة.

لم يكن جريج يدري أن المبادرة إلى إجابة والدته من أفضل القربات عند الله بل من أفضل الفرائض عند الله عز وجل فعزم أن يستمر في صلاته، ولاشك أن الله سبحانه يعلم أن جريجًا يحب والدته ويود برها ولكنه في الصلاة واقف بين يدي الله، وهل أفضل من الوقوف بين يدي الله جل وعلا، إنه ليس إبنًا عاقا وسيجيب والدته حين يفرغ من صلاته، هكذا اجتهد للمرة الثانية، وحين نادته مرة ثالثة وأخيرة فلم يرد وآثر الاستمرار في الصلاة، فأبطأ عليها بل لم يجبها، قالت وهي حزينة دامعة العينين متأثرة وفي ثورة غضبها: " لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجه المومسات".

أيها المسلمون: أتدرون ما هذه الدعوة؟ إن وجه المومس ليس فيه طهر ولا نقاء، دنس الزنا يذهب رواءه، ويطفئ نوره، ويترك عليه مسحة من سواد، تنفر منه النفوس الصافية والقلوب المؤمنة، وتستعيذ منه الأرواح الشفافة والأفئدة الطاهرة، وأين يرى المومسات وهو لا يدري بما يجري حوله، إنه لا يخرج من صومعته إلا لماما.

لم تكن الأم تريد أن يصيب مكروه ولكن سبق السيف العذل كما جاء في المثل، وسبق لسانها إلى الدعاء، وكأن دعاءها قد وجد إجابة عند الله تعالى السميع البصير، انصرفت الأم بعد أن دعت ونسيت الدعوة ولكن الله سبحانه سميع بصير، لم يكن لينسى دعاء الأم، وعقاب العاق هو جزاءا وفاقا، ولكن كيف؟ تذاكر بنو إسرائيل جريجًا، وعجبوا من كثرة عبادته، وقصده الناس من كل حدب وصوب فذاع صيته، وتدافعوا إلى صومعته يلتمسون بركته، ويسألونه أن يدعو لهم، وكان هناك امرأة بغي، يتمثل بحسنها، قالت: إن شئتم لأفتننه، قالوا لها: لا تستطيعين إنه لا يلتفت إلى النساء، قالت متحدية لهم: ومن ذا يقف أمام جمالي وإغرائي، قالوا: إن كنت واثقة بنفسك فافعلي.

تزينت له، وحملها الشيطان على جناح الفتنة إلى صومعة جريج، وجاهدت في التعرض له فتمنع عليها، وجدّت في إغوائه فاستعاذ بالله منها، حاولت بكل فتنتها ومكائدها أن يسقط في مصائدها فارتدت خائبة خاسئة، فلما شربت من كأس اليأس، وسقطت في تحديها، نزلت في الوادي إلى راعي البقر في كهفه أسفل الصومعة فمكنته من نفسها، وهو الذي لا يأبه له أحد ولا يملأ عين من يراه، وهي الجميلة الفاتنة التي يخطب الكبراء ودها، ويبذلون أموالهم كي ترضى عنهم فيظفروا بها.

إن تمنع الراهب جريج أحبطها، وجرح كبرياءها فارتمت عند أول راء لها، حنقًا من الراهب وشعورا أنه هناك من يريدها، ويسارع إليها.

أيها المسلمون: هذه المرأة حملت من الراعي، ثم ولدت صبيا يجهل الناس أباه، فمن أبوه يا ترى؟ لم تذكر المرأة اسم الراعي، فهو أبو ابنها الذي تحبه وأباه، ولا ترضى العقاب للراعي الذي ارتبطت به عن طريق الزنا فأثمر هذا الارتباط الخاطئ ولداً، إنها تريد إبعاد التهمة عنه لتوقع بمن مرغ كبرياءها ولم يلتفت إلى إغرائها وفتنة جمالها، ووجدت الفرصة سانحة فقالت أمام الملك: إنه جريج، ذلك الذي يلبس مسوح الرهبان ويتستر وراء سياج العفاف.

أيها المسلمون: ما زال الغاون يحاولون إيقاع الصالحين في سراديبهم بكل وسائلهم وحبالهم وطرائقهم وأنواع الإغراءات والشهوات، فإن لم يستطيعوا فبالشبهات.

هنا تعجب القوم هل جريج يفعل هذا؟ أمن المعقول أن يكون ظاهره غير باطنه، وهل يمكن لهذا الرجل الصالح أن يقع في الزنا ويتهامس القوم غير مصدقين.

قال الأمير مستغربًا: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم، ألم يرني أحدكم تلك الأيام أختلف إلى صومعته، لاشك أن بعضهم رآها تقصد الصومعة في أوقات مختلفة، لا بل تقصد مما تحت الصومعة إلى الراعي، لكن أنى لهم أن يعرفوا الحقيقة.

ثار الناس، وتصايحوا، وغضب الأمير؛ لأنه فوجئ بمن يزني وهو متزين بزي الصالحين، وفي ثورة غضبه أمر أتباعه بهدم الصومعة، وجرّ جريجًا مهينا إلى مجلسه ففعلوا، وربطوا يديه بحبل إلى عنقه كما يفعل بالمجرمين، وضربوه وأهانوه، ومر في طريقه على المموسات فرآهن يبتسمن وهن ينظرن إليه في الناس، وصدقت دعوة أمه فيه، فقد رآهن يشمتن به ويهزأهن منه وكأنهن يقلن في أنفسهن: تدعي الصلاح جهرا وترتكب الموبقات والمهلكات سرا، فنحن إذًا أطهر منك سرنا كعلانيتنا.

أيها المسلمون: موقف عصيب لا يحب أحد أن يكون فيه، ومنظر يتوارى منه الناس فضلا عن الصالحين، فما المخرج؟ وما السبيل إلى البراءة وهو برئ حقا؟

قال جريج متمتما: حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم أنقدني مما أنا فيه، وأعني على بر أمي. قال الأمير له: أعرفت ما تزعم هذه المرأة؟ قال: وما تزعم؟ قال: تزعم أن ولدها منك. قال جريج: أنت تزعمين ذلك! قالت: نعم. قال جريج: أين الصغير؟  قالوا: هو ذا في حجرها. قال: دعوني حتى أصلي، فما أقرب الإنسان إلى الله وهو ساجد يسترحمه ويستنقذه، وصدق الله سبحانه حيث جعل الصلاة والصبر طريق الخروج من المهاوي والمهالك، فجعل يصلي ويسكب العبرات ويبتهل إليه سبحانه فهو كاشف الضر، ومنجي الصالحين، والمخرج من المضايق.

أيها المسلمون: إن الله جل وعلا بعد أن أخذ بحق أمه وأجاب دعاءها فهو سبحانه يعلم مقدار حب جريج لأمه، لكنه اجتهد فأخطأ في اجتهاده، ولعل في هذا درسًا وعبرة أيما عبرة حيث يدرك الإنسان أهمية تقديم الفرائض على النوافل، شاء الله سبحانه إنقاذ جريج ورفع منزلته، فليس الظلم من صفاته سبحانه.

أقبل جريج بعد أن فرغ من صلاته حتى وقف على الطفل بحضرة الملك وطعنه بإصبعه في بطنه وسأله، سأل جريج الطفل الصغير المولود على مسمع من الأمير وأركان ملكه، واثقا من نصر الله ورحمته به فهو المنقذ سبحانه في المهالك: "من أبوك يا صبي؟".

وهنا كانت المفاجأة التي وجفت لها القلوب وتسمرت لها الأقدام، لقد أنطق الله الطفل ابن الأيام، فقال: إن أبي هو الراعي.

نعم، أبوه راعي البقر الذي استغل المكان الطاهر في آثامه ونزواته، وخلا بأمه فكان هذا الطفل ثمرة الزنا، وهنا لحظات مؤثرة، فقد انقلب الأسير حرا، والمهين عزيزا.

أسف الأمير لسوء ظنه بالراهب الطاهر، وندم على إهانته إياه، ورغب معبرا عن ندمه هذا أن يعيد بناء الصومعة من ذهب، صومعة من ذهب! إنه بريق الذهب يذهب بريق القلوب، قال: لا، لا أريدها من ذهب.

قال الأمير: إذًا من فضة؟ قال: لا، إن لمعان الفضة يحجب الحقيقة عن القلوب. قال الأمير: مم نجعلها إذا؟ قال جريج: ردوها كما كانت، فهذا أدعى إلى السكينة والصفاء.

أيها المسلمون: إن بهرجة الدنيا لا شك تشغل القلوب وتثقل الأرواح، وتقيد النفوس، ثم تبسم جريج وعجب الحاضرون إذ تبسم، لا بد أن أمرًا ما استدعى الابتسام.

نعم، لقد أدرك جريج أن الذي أدى إلى هذا الموقف العصيب الذي كاد أن يعصف به لولا أن تداركته رحمة ربه هي دعوة الأم أن يرى وجوه المموسات، ولم يكن بد أن يراها، هكذا ولو كان العقوق باجتهاد خاطئ، فدعوة الأم تستجاب مهما كانت، وصدق الله سبحانه ) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا([الإسراء: 23].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

!  !!

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله: في هذه القصة ندرك فوائد كثيرة من أهمها: أن ندرك عظمة البر، وجرم العقوق مهما كان صغيرا، أو كان باجتهاد خاطئ ما دام أنه يخالف الشرع.

ولقد أمرنا الله ببر الوالدين قولا وعملا في حياتهما وبعد مماتهما، بل من وصايا الله جل وعلا الإحسان للأمهات خاصة كما جاء في قوله سبحانه ) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا(. [الأحقاف: 15].

قال الشيخ الإمام ابن سعدي رحمه الله: "هذا من لطفه تعالى بعباده، وشكره للوالدين أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف والكلام اللين وبذل المال والنفقة وغير ذلك من وجوه الإحسان، ثم نبه سبحانه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحملته الأم من ولدها، وما قاسته من المكاره وقت حملها ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع، وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين وإنما ذلك مدة طويلة قدرها ثلاثون شهرا، للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع، هذا هو الغالب". انتهى كلامه رحمه الله.

أيها المسلمون: لقد أكد المصطفى صلى الله عليه سلم المنزلة العالية للأمهات وفضل برهن في غير مناسبة؛ من ذلك: ما رواه الإمام أحمد وغيره عن معاوية بن جاهمة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه سلم فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟» قلت: نعم، قال: «ارجع فبرها» ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟» قلت: نعم، يا رسول الله، قال: «فارجع إليها فبرها» ثم أتيته من أمامه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟» قلت: نعم، يا رسول الله، قال: «ويحك، الزم رجلها، فثم الجنة».

ومقتضى البر بالأمهات مترتب على المعنى الشامل لكلمة البر فهي كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وبر الأمهات والآباء يعني الإحسان إليهم وتوفية حقوقهم، وطاعتهم في أغراضهم في الأمور المندوبة أو المباحة فضلا عن الواجبة، ويكون البر بحسن المعاملة وبالصلة والإنفاق بغير عوض مطلوب فضلا عن أن يكون في ذلك منة، ويدخل في ذلك إيناسهم وإدخال السرور على نفوسهم؛ ولأن الأم ضعيفة بضعف الأنوثة ورقة الحنو، وتواضع الشفقة، فقد يغتر بعض الأبناء والبنات فتحملهم نفوسهم على تقاصر قدر الأم والاندفاع نحو عقوقها بخلاف ما يجدون من المنعة عند الآباء؛ لذلك قال صلى الله عليه سلم: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات» رواه الشيخان في صحيحيهما.

أيها المسلمون: مما يجب أن يعلم أن الذي أوقع جريجًا في الخطأ هو الجهل حيث قدم فعل المفضول على ما هو أوجب، فمن أعظم المهمات معرفة الواجبات وتقديمها على النوافل، وهذا من أعظم الفقه الذي يجب أن يُعلَم في مسار هذه الحياة، بأن يقدم الإنسان الأوجب ثم الواجب ثم المستحب، مهما كان ظاهر العمل لمعانًا، ومهما كان يعرف من فضل هذا العمل المرجوح، وهذا من أعظم ما يقرب الإنسان عند الله ويكثر حسناته، ويقدمه في الدنيا وفي الآخرة، اللهم فقهنا في ديننا وأعذنا من الجهل أيما كان.

ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في محكم كتابه العزيز حيث قال: ) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما([الأحزاب: 56].