بحث عن بحث

دروس من قصة رجلين من بني إسرائيل

الخطبة الأولى

الحمد لله خلق الأرض والسموات، وشَرَع لنا أفضل الشرائع، فبها تتنزل الرحمات وتمحى الزلات، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى  آله وأصحابه أهل الفضل والمكرمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسموات، أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى، فبالتقوى تفرج الكروب، وبها المخرج من كل الهموم، جعلني الله وإياكم من المتقين.

أيها المسلمون:في هذا اليوم نذكر قصة جديدة أخرجها الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه رواها أبو هريرة عن سيد الأنام صلى الله عليه وسلم يقول فيها: « كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

قوله عليه الصلاة والسلام: « متواخيين» أي متقابلين في القصد والسعي، فهذا كان قاصدا وساعيًا في الخير، والآخر كان قاصدا وساعيًا في الشر.

أيها المسلمون: هذه القصة حوت معاني عظيمة، وفوائد جسيمة تمثل معالم من مناهج الحياة من أهمها: أن الناس في مسالكهم في هذه الحياة قسمان: منهم من يسلك طريق عبادة الله وطاعة الله، ومنهم من يكثر جانب الغفلة.

يقول جل وعلا عن الإنسان ) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا( [ الإنسان: 3] فلا طريق ثالثا، وهذا يستدعي دائما أن يقف المسلم مع نفسه ليرى أي طريق يسلك أو أي منهج يقتفي، والعاقل من يدرك ذلك فينقذ نفسه من طريق المهالك.

أيها المسلمون:ومن المعالم التي أوضحتها هذه القصة الدقيقة سوء عاقبة الغضب، فإن المجتهد لم يقل ما قاله من الكلمة السيئة التي فيها تأل على الله جل وعلا إلا من جراء غضبه، ومن هنا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرا مؤكدا من هذه الصفة المشينة، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد مرارا، قال: « لا تغضب».

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يغضب لنفسه قط إلا إذا انتهكت حرمات الله غضب لله سبحانه، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا».

قال الإمام ابن رجب رحمه الله معلقًا على هذه الدعوة: "وهذا عزيز جدا، وهو أن الإنسان لا يقول سوى الحق سواءا غضب أو رضي، فإن أكثر الناس إذا غضب لا يتوقف فيما يقول". انتهى كلامه رحمه الله.

ويعضد هذا ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح الإمام مسلم رحمه الله أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: « من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك»، وهذا يدل على أن الغضب يصل بالإنسان إلى درجات من الغرور والتعالي والكبر والعجب بالنفس إلى أن يتألّى على الله جل وعلا.

أيها المسلمون:ومن معالم هذه القصة أنها تدل على سعة رحمة الله  وعظيم مغفرته، كما دلت على أنه قد يأخذ بالذنب ولو لم يكن شركًا، ويعاقب عليه سبحانه، فلقد غفر للمقصر وعاقب المجتهد بكلمة قالها دون الشرك به؛ لأن الكلمة عظيمة هنا؛ ولذا نعت سبحانه نفسه بقوله: ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾. [الحجر: 49- 50].

ألا فلا ينبغي لأحد أن يتكل على رحمة الله جل وعلا، ويدع العمل، وعليه أن يسدد ويقارب، وأن يستقيم ثم يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فإن المؤمن يجمع بين الخوف والإحسان، أما المنافق فهو الذي يجمع الأمن مع الإساءة في العمل ثم يتكئ على رحمة الله جل وعلا.

أيها المسلمون:ومما تنبه إليه هذه القصة التحذير من أن ينصب الإنسان نفسه حاكمًا على عباد الله في صلاحهم وعدم صلاحهم، وأن يجعل من نفسه الحكم الفاصل عليهم، والعبد في هذه الحياة ليس عليه إلا العمل وأن يسأل الله القبول، أما الحكم على الآخرين في الكفر أو الفسق أو الفجور فهو لله سبحانه وتعالى، فلو وكّل الله أمر العباد إلى غيره سبحانه لهلك الناس جميعًا.

ومن هنا على العبد أن يحذر من هذا الأمر فهو من أعظم مداخل الشيطان، إذ هو يجلب الكبر والغرور والتعالي والعجب بالنفس والرأي وكل هذه من أمراض القلوب التي تحبط الأعمال والعياذ بالله.

فعلى المسلم أن يتواضع لله جل وعلا، وأن يقوم بحقوقه، وأن يحذر مداخل الشيطان، فإن الشيطان إذا عجز عن العبد من الشرك والمعاصي الكبيرة والموبقات لجأ إلى مداخل النفس من العجب والغرور ونحوها.

أيها المسلمون:وإن من أجل الدروس في هذه القصة أن يحذر الإنسان من لسانه فقد يرديه المهالك، يقول الصحابي الجليل أبو هريرة: « والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته».

وقد جاءت النصوص العظيمة من الكتاب والسنة بالتنبيه على هذه الجارحة العظيمة من أن يحفظها العبد أن تقع في المزالق، يقول جل وعلا: ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: 18]، وفي الحديث المتفق على صحته يقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقال عليه الصلاة والسلام: « من يضمن لي ما بين لحييه – يعني لسانه- وما بين رجليه –يعني فرجه- أضمن له الجنة»، وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ الصحابي الجليل حُبّه عليه الصلاة والسلام: «كف عليك هذا» وأمسك بلسانه، قال معاذ: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: « ثكلتك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»، وجاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم»، وروى الإمام الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا». تكفر اللسان: أي تذل وتخضع له.

قال الإمام النووي رحمه الله: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء".

فاتقوا الله عباد الله، واحفظوا ألسنتكم، وجوارحكم على ألا تزلوا ولا تزلقوا في المهالك كما فعل هذا الرجل في هذه القصة.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

!  !!

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله:في هذه القصة خاتمة مهمة، وركيزة يجب أن يعيرها المسلم كل اهتمامه، وهو أن يعلم أن الأعمال بالخواتيم، وفيها معنى ما قاله سيد النبيين والمرسلين عليه الصلاة والسلام: « إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها». وإن العمل لحسن الخاتمة من أجلّ ما وجب التنبه إليه، وإن من أهم عوامل النظر إلى حسن الخاتمة تجديد الإيمان بالله جل وعلا بين الوقت والآخر وحسن العمل فهما ركيزة الثبات حتى الممات والإنسان يموت على ما كان يعمل في حياته صادقًا مع نفسه، ويظهر هذا عند موته جليًا واضحًا.

ومن ذلكم: كثرة الدعاء بحسن الخاتمة والثبات على الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح كان يكثر أن يقول: « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».

ومن ذلكم: سلامة القلب وتجديده وتنظيفه مما يسوده من الأعمال وبخاصة الأعمال القلبية المشينة كالحسد والبغض والحقد والغرور والكبر والإعجاب بالنفس والتعالي على الآخرين ونحو ذلك من أمراض القلوب التي تؤثر عليه وتحبط الأعمال، يقول جل وعلا: ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ [الشعراء: 88- 89] فمن سلم قلبه سلمت جوارحه.

أيها المسلمون:وكما يجب العمل لحسن الخاتمة والنظر إلى الخواتيم يجب الحذر من عوامل سوء الخاتمة ومن أهمها:

ضعف التعلق بالله جل وعلا، والتساهل في الفرائض صلاة وزكاة وصيامًا وغيرها من الواجبات وعدم أدائها على الوجه الذي شرعه الله جل وعلا، والتساهل في عمل المعاصي المتنوعة المؤثرة على حياة الإنسان.

أيها المسلمون:تلك قصة عظيمة تؤكد على عظم ارتباط العبد بربه جل وعلا في جميع أحواله وخضوعه وخشوعه وذله له، وعدم تكبره عليه، وعدم إعجابه بنفسه، وأن يربط يومه وليلته به سبحانه، أعانني الله وإياكم على ذلك.

 ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في محكم كتابه العزيز حيث قال: ) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما( [الأحزاب: 56]

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

!!!