بحث عن بحث

3 ـ تقسيمها باعتبار شمولها للناس أو عدم شمولها، وتنقسم إلى قسمين:

أ ـ مقاصد تعم الأمة كلها مثل تنظيم حياة الناس المعاشية، ويدخل في ذلك أنواع النظم للحياة.

ب ـ مقاصد لفئة خاصة أو لفرد مثل: مقصد الانتفاع لبيع معين.

وغير ذلك من التقسيمات التي فصلها العلماء والباحثون.

-مصدرية المقاصد :

لا شك أن مصدرية المقاصد هما: الكتاب والسنة، وتتضح هذه المقاصد بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

والمقصود بمباشرة أن يأتي النص الكريم مباشرة ببيان علة، أو حكمة للتشريع بينة واضحة.

وبغير المباشر أن يأتي الشارع بأمر أو نهي فيعلم المأمور، والمنهي، ويتلمس منه المقصد، أو من خلال مجموع نصوص تتضافر على مسألة معينة.

ومثال الأول: الأمر بالعدل والإحسان، والنهي عن الضرر، ورفع الحرج، والتكليف بالعبادات، وغيرها، كقوله تعالى: âإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ á [العنكبوت: 45].

فعلم بذلك مقصد من مقاصد العبادات وهو: النهي عن الفحشاء والمنكر.

وفي الصيام يقول سبحانه:âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ á [البقرة: 183]، فعُلِم مقصد التقوى.

وفي الحج يقول - عليه الصلاة والسلام -: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله»، فعلم مقصد إحياء ذكر الله، وفي النهي عن الخمر والمسكرات جاء قوله سبحانه: âإِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ... á [المائدة: 90]. فعُلم مقاصد هنا اجتناب الرجس، وغيرها كثير.

ومن الثاني حفظ المال، وذلك من خلال النهي عن السرقة، والغصب، والاحتيال، والتدليس، والغش، والكذب في المعاملات المالية.

ومن حفظ النسل بتشريع الزواج، والنهي عن الفاحشة والسفاح وغيره كثير.

* خطورتها:

لا شك أن قضية المقاصد قضية دقيقة تحتاج إلى فقه دقيق لمعرفتها وفقهها، ومن هنا تكمن خطورتها، وخطورة التعامل معها فيجب أن يكون المتعامل معها عالـمًا فقيهًا حصيفًا، ومن مكامن الخطورة:

1 ـ ضرورة التفريق بين مقاصد الشارع لتكليف معين وبين مقاصد المكلف لفعل معين، فللصلاة مثلًا قصد شرعي من خلال تكليف الشارع بها، لكن مقاصد المكلفين مختلفة، والخطورة في تحميل مقصد الشارع ما يقصده المكلف، وهنا يلزم التنبه والتفريق، وتفصيل هذا يطول.

2 ـ اختلاط المقاصد بالهوى والرغبات، وهذا لا يقل خطورة عن الأول، إذ أن مخالفة إتباع الهوى من المقاصد الشرعية، وكثير من الأعمال يمتزج فيها الأمران، وهنا يلزم الدقة، فالنظر هنا إلى الأسبق منهما، والذي يجب أن يكون فيه الهوى تابعًا للمقصد الشرعي، وهذا مما يلزم فقهه للمكلف.

وللتفصيل في هذه العلاقة يمكن أن يفقط فيما يلي:

أ ـ أن المقصد الأساس عبادة الله سبحانه وتعالى سواء وافقت هوى النفس، أو خالفته.

ب ـ ذم الهوى مقصد من المقاصد.

ج ـ إذا كان الباعث والمقصد للعمل وإن كان ظاهره الصلاح فمآله إلى البطلان؛ لأن الأصل اتباع الشرع، وليس الهوى.

د ـ الحرص على مخالفة الهوى ولو كان ظاهر العمل الصلاح لأنه يؤدي إلى مقاصد غير شرعية، كالرياء، والسمعة، والشهرة، وحب الظهور... إلخ.

3 ـ من مكامن الخطورة أن كثيرًا من المقاصد تأتي عامة، لكن التطبيقات عليها تحتاج إلى فقه وضبط، وهذا قد يفوت على كثيرين، مثل مقصد: التيسير ورفع الحرج، وهذا المقصد لا شك أنه مضبوط بالأدلة الشرعية، وهذا تختلف فيه الأنظار مما قد يؤدي إلى الانزلاق في التساهل وترك الدليل، أو يؤدي إلى فقدان هذا المقصد والتشديد على النفس، وقصة الثلاثة الذين جاءوا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، من أكبر الأدلة على ذلك في غياب المقصد. فينتبه.

- العلاقة بين المقاصد والسنة النبوية: يمكن أن تجلّي العلاقة بينهما من خلال النقاط التالية:

1 ـ أن السنة النبوية بينت كثيرًا من المقاصد سواء كانت مقاصد عامّة أو خاصّة، وذلك مثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».

ومثل قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار».

وعلى هذا فالسنة النبوية مصدر من مصادر معرفة المقاصد الشرعية.

2 ـ وقريب من هذا أن ندرك مصدرية السنة للتكليف الشرعي حيث بينت كثيرًا من الأوامر والنواهي التي أوضحت المقاصد الشرعية وهذا من شأن أن يزيد قوة اليقين بأهمية السنة النبوية وحجيتها، والإيمان بأنها وحي من عند الله سبحانه وتعالى.

3 ـ قرينة المقصد في فهم النص، وهذا من أعظم مواطن العلاقة بينهما إذ قد يتعذر الفهم أحيانًا أو ينغلق، فمعرفة المقاصد توضح المقصود من النص، وذلك مثل بعض الكفارات، والجزاءات، والصدقات، وعلى سبيل الدقة في المثال: حكم الصدقة على الأباعد والأقارب فيجتهد المتصدق في الغالب على الأباعد وينسى الأقارب، فالسنة تبين أن الصدقة على القريب صدقة وصلة ومثلها ما في قصة من وقع على امرأته في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له الصدقة على نفسه ينظر هنا إلى المقصد بينما الظاهر خلاف ذلك.

4 ـ وقريب منه أن يكون المقصد عاملًا من عوامل الترجيح عند الاختلاف في فهم النص، فمعرفة المقصد تؤدي إلى مزيد عن القرائن للترجيح عند الخلاف، وذلك مثل الخلاف في الوجوب أو الأفضلية للصوم أو النظر في السفر، فمقصد رفع المشقة لمن وقع منهم الصيام في السفر يرجح وجوب الفطر لكن صيام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر صرف الحكم من الوجوب إلى الأفضلية، ومعرفة هذه العلاقة أعانت على الترجيح بأن من تقع عليه مشقة في الصوم في السفر أن الأفضل في حقه الفطر، ومن لم تقع عليه مشقة فالأفضل له الصيام، وهذا رأي جمهور أهل العلم.

5 ـ ومن العلاقة: أن السنة النبوية تضبط الاسترسال مع المقصد لأن المقصد قد لا ينضبط، أو قد يكون ظاهره التعارض مع النص، فيروق للناظر أن يسير مع المقصد، وبناء على هذا، فالسنة النبوية ضابط للمقصد، ومن الأمثلة الواضحة في ذلك: الصلاة، فمن المعلوم أن المقصد فيها تعبدي، وهي في ثبوتها توقيفية، فلو أراد مسلم الزيادة فيها بحجة مقصدها وهي العبادة، والعبادة خير فهذا استرسال مع المقصد لكن ضبطته السنة النبوية ببيان أنها توقيفية ومجددة معه الشارع، فكما لا يجوز النقص فيها فلا تجوز الزيادة، وحينئذ تكون هذه الزيادة باطلة...

وبناء على ما سبق يتحرر لطالب السنة أن يتفهم المقاصد الشرعية المستنبطة من النصوص الشرعية، ويتعامل معها وفق هذه الضوابط المذكورة في العلاقة، وهنا تحقق الغاية منها، ووضعها في موضعها.