بحث عن بحث

قال لي صاحبي (4)

 

قلت لصاحبي: ها قد رجعنا من الحج والحمد لله، فنسأل الله تعالى أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يثيب القائمين على خدمة الحجاج من مسؤولين وأفراد ومؤسسات حكومية وغير حكومية، فجزاهم الله خير الجزاء، وأجزل لهم الأجر، وأخلف عليهم ما أنفقوه من جهد مال. إنه سميع قريب.

وما ذا لديك يا صاحبي بعد العودة والاستقرار؟. قال: لقد وعدتني أن نكمل ما وقفنا عليه في آخر لقاء، عندما تحدثنا عن علاج ذلك المنهج الذي سلكه البعض في النظر إلى السنة من وجه ضيق، فضيقوا على أنفسهم وضيقوا على غيرهم، ولعلك تحدثنا عن المنهج المقابل، ما مظاهره؟، وما مقتضاه؟ وما أسباب الوقوع فيه؟ وما العلاج؟.

قلت: نعم. ولعلي أوجز، فقد أكثرت عليك الكلام.

فهذا المنهج هو مقابل لذلك المنهج، ينظر إلى نصوص السنة النبوية نظرة غير منضبطة، ويزعم أنه ينطلق من القرآن الكريم، ويفسر نصوص القرآن والسنة يزعم بما يتفق مع عقله، ويتخذ بعض قواعد الشريعة- على إطلاقها- منطلقا لكل تأويل، مستخدما بعض المصطلحات التي قد تلتبس على أنصاف المتعلمين؛ ولذا فمن أعظم مظاهر هذا المنهج:

1-    الاتكاء على القرآن الكريم وإهمال السنة النبوية، ولا شك أنهم يختلفون هنا؛ فمنهم من ينكر السنة بالكلية، ومنهم من ينكر شيئا منها، كمن ينكر ما يثبت منها بطريق الآحاد، أو ينكر ما لا يصلح له. أو ما لا يتفق مع عقله.

2-    الجرأة في القدح بالسنة ولو ثبتت ثبوتا صحيحا لا يتطرق إليه الشك، فإن لم يجدوا سبيلا للقدح فيها لجأوا إلى التأويل، ولا شك أن السنة ولله الحمد محفوظة، فلذلك يلجأون إلى التأويل الفاسد الذي لا دليل عليه، ومثاله حديث: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) فكانوا يقدحون في صحته مع أنه لا شك في صحته، فلما تبين ذلك وأصبحت الحجة ضعيفة لجأوا إلى التأويل الفاسد، وقالوا: هذا خاص بزمن الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما لا يوجد أي دليل أو قرينة على الخصوصية، بل ولا تسعف هذا التأويل قواعد اللغة العربية.

3-    الجرأة على القدح بكبار العلماء من السلف أو الخلف، وتفوح عبارتهم بهذا مثل قولهم: (لا قداسة لأحد)، (الدين ليس حكرا على أحد)، (لهم رأيهم ولي رأي)، (نحن نفسر النصوص بمقتضى العصر)، وغيرها من العبارات إلى حد أنه مهما كان العالم في نظرهم، فقوله مثل قول آحاد الناس الذي لا يفقه من العلم الشرعي شيئا، فهم يقدحون بمن زكاهم الله تعالى في كتابه في مثل قوله تعالى:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [ سورة الزمر الآية 9]، وزكاهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: (العلماء ورثة الأنبياء).

4-    ادعاؤهم إعمال العقل، فما ثبت بالعقل -زعموا- اثبتوه وما لم يثبت بالعقل نفوه وإن جاء في القرآن الكريم، أو السنة النبوية، فجعلوا العقل حاكما على القرآن أو السنة، وهذه تكأة اتكأ عليها أسلافهم من المعتزلة وغيرهم فضلوا وأضلوا، فأنكروا كثيرا من المسلمات الشرعية، وأذكروا كثيرا من النصوص وردوها.
وقضية العقل لعلنا نتناولها تفصيلا في وقت آخر لكن المقصود هنا بيان مظهر من مظاهر لهذا المنهج.

5-    هذه من أبرز مظاهر هذا المنهج. وبلاشك أنه سيخلف آثارا خطيرة، منها:

1- إلغاء المرجعية العلمية الشرعية، وأنها ليست حاكمة على الناس؛ بل الذي يحكم هو العقل والهوى والمصالح الذاتية للأفراد.

2- التخبط والضياع، فلا رابط ولا ضابط، فتصبح هذه الأمة في ذيل القائمة، وتابعة لا متبوعة، وكأن ما تعيشه الأمة المسلمة اليوم من التخلف في كثير من ميادين الحياة، بسبب تمسكها بالكتاب والسنة، وما علم أولاء وأولئك أن أهم عوامل الذل والتبعية بُعد هذه الأمة عن مصدر عزها وقوتها، وهو الكتاب والسنة.

3- اتهام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بعدم تبليغ المنهج الصحيح الذي فيه سعادة الأمة وطمأنينتها، وأمنها ورخاءها، والله جل وعلا قد قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) [سورة المائدة الآية 3]، وهؤلاء يقولون: لم يتم بعد، فهذا العصر عصر تفتق المعرفة، فتلك النصوص لا تصلح إلا لذلك الزمن. سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.

4- ومنها: إلغاء تراث الأمة التي ضبطت به الشريعة، وسطرت، وبانت، واتضحت، وهي مفخرة من المفاخر، فيلغى التفسير وأصوله، والحديث وعلومه، والفقه وقواعده، وأصوله، وقواعد العربية، وتاريخ الأمة، وأدبها، فهل يمكن العبث بمثل هذا؟.

*    *    *

لعلي أكتفي بذكر هذه الآثار والمقتطفات التي يكفي واحد منها لبيان فساد هذا المنهج فضلا عن اجتماعها.

*    *    *

ولعلك تسأل عن أهم الأسباب التي أوصلت إلى هذا القول الجريئ. ولعلك أيضا لا تستغرب عندما أقول لك: إن الأسباب هي الأسباب التي أدت إلى المنهج السابق المقابل له من الجهل.

 والتعالم، وتقليد الآخر، وتقديس العقل، والبعد عن المرجعية العلمية، والأنا وضعف الإيمان بالله تعالى.

 وضعف الثقة بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وضعف الثقة بموعوده، والانهزام النفسي، وضعف الواقع من الداخل وضغط الواقع من الخارج، وغيرها مما لا مجال لتفصيله في مثل هذه العجالة.

*    *    *

أما العلاج، فهي النقاط نفسها في معالجة المنهج السابق فيما لا حاجة إلى إعادته ذكره.

قال صاحبي: جزاك الله خيرا، وأشعر أنني أخذت من وقتك الكثير والكثير؛ غير أن هذه المجالسات قد تفيد أناسا كثر، آمل أن أختم هذه الجلسات معك بتزويدي بمعالم المنهج الحق، أسأل الله تعالى أن يدلنا جميعا عليه؛ إنه سميع مجيب.

قلت: ولعل ذلك يتم في لقاء آخر. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.