بحث عن بحث

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من الضيق إلى السعة

 

يبحث الإنسان كثيراً عن مواطن راحته وطمأنينته، وقد يعمق البحث في جزئيات من سبل الحياة ووسائلها علّة أن يصل إلى مبتغاه، ولكنه قد يزداد تيهاً وضياع، وقد يصل إلى نقاط ضيقة وحرجه، فيحرج نفسه، ويضيق على غيره.

ونحن بفضل الله تعالى قد أنعم علينا بهذا الدين الذي أخرج الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور، ومن التخبط إلى الاستقامة، ومن الضيق إلى السعة، ومن الظلم إلى العدل.

وعند التمعن في هذا المعنى الكبير والمقصد السامي ومقارنته بأعمال كثير من المسلمين وتصرفاتهم، ليحزن كثيراً لعدم وضوحه في حياتهم، أو لضعف تمسكهم به، أو فهمهم المخالف له، ونجلي ذلك في الفقرات التالية:

1- من مقاصد الدين ترسيته للقيم العليا من الرحمة والمحبة والسماحة، والتعامل باللين واللطف، والقول الحسن، والنية الطيبة والإحسان، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وقال سبحانه: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقال تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين).

ومن السنة أحاديث لا تحصى مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الراحمون يرحمهم الله)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلاّ غلبه).

هذا غيض من فيض من هذه الأدلة التي تؤصل مبدأ السعة والبر والرحمة والمحبة، وكلها تقتضي من المرء المسلم تصورها واستشعاره، ومن ثم نقلها إلى واقع حياته وتعاملاته مع الآخرين، فليست مبادئ نظرية نتغنى به، وفي الوقت نفسه –في مجال التطبيق- نضيق على أنفسنا وأهلينا ومجتمعنا فنضع الجميع في زوايا ضيقة تعود علينا جميعاً بالآثار السلبية فكراً وسلوكاً وتعاملاً.

2- وفي لمحة للواقع التطبيقي في دين الله عز وجل نجد هذا المبدأ ظاهراً لا ينكره إلا جاهل أو متحامل.

* ففي العقيدة الإله واحد سبحانه لايحتاج إل شفيع ولا وسيط فيخاطب عن طريقه.

والتعبد له سبحانه بوضوح لا غموض فيه، ولا شكوك ولا أوهام، ولا التواء أوتعقيد.

* والعبادة قامت على اليسر والسعة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

- فالصلاة خففت من خمسين إلى خمس بأجر الخمسين، ومن لم يستطع أن يصل قائماً فليصل جالس، ومن لم يستطع أن يصل جالساً فليصل مضطجعاً، ومن لم يستطع الوضوء فليتيمم.

- والزكاة من مال الله تعالى، لا يخرج منها وجوباً إلا ربع العشر وبعد حلول الحول.

- والصيام شهر في العام، وفي النهار فحسب، ومن لم يستطع في هذا الشهر لمرض أو سفر فعدة من أيام أخر.

- والحج والعمرة مرة في العمر وبنيت على التيسير في أدائها.

 

* وفي جانب الأخلاق والسلوك نجد التوجيهات: للتعامل بأقصى ما يستطيع الإنسان من الإحسان حتى مع المخالفين من الكفار وغيرهم، قال تعالى: (وقولوا للناس حسنا)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: (وخالق الناس بخلق حسن).

 

* وفي حال وقوع الأخطاء من المسلم في هذه الحياة، وهي كثيرة من العبد شرعت المكفّرات، ومن أهمها:

1- عمل الصالحات: (وأتبع الحسنة السيئة تمحها)، وقال تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ).

2- التوبة والاستغفار مهما عظم الذنب،قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً).

 

* وفي التعامل المالي جعل الأصل فيه الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، والمحرم هو القليل، والمباح كثير لا حصر له.

وغير ذلك مما لايسعه هذا المقام، ولكن هذه إشارات يستدل بها على ترسيخ هذا المبدأ العظيم.

3- تخرّج على هذا المبدأ قواعد عظيمة أصبحت مستقرة في التشريع منها:

1- المشقة تجلب التيسير.

2- كل ما ضاق الأمر اتسع.

3- الضرورات تبيح المحظورات.

4- إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه.

5- التوبة تجب ما قبلها.

وغيرها كثير مما يحتـــاج إلى فقه نظري، وفقه عملي، ليكون سلوكاً عملياً يتمثله المسلم في جوانب حياته كلها.

4- وفي المقابل نهى الإسلام عن كل ما يضاد هذا المبدأ مما ينحرف به يمنة ويسرة، ففي جانب العقيدة جاء النهي عن الغلو في الدين، والإحداث فيه، والابتداع فيه، والزيادة عليه، وكذا النهي عن الوسطاء والشفعاء للتقرب إلى الله عن طريقهم.

وفي العبادات: النهي عن أشياء كثيرة ففي الصلاة جاء النهي عن أي صلاة لم ترد في الشرع.

وفي الإنفاق: النهي عن الإنفاق الذي يضر بالنفس أو الأهل.

وكذا النهي عن الإسراف والتبذير، والتقتير.

وفي الصيام النهي عن الوصال، والنهي عن صيام الدهر.

إنه المبدأ العظيم الذي نحتاج إلى إعادة الفقه فيه في واقع حياتنا ومعاملاتنا.

5- وفي واقعنا صور كثيرة من التضييق يصعب حصره، ومن أمثال لذلك:

- تحميل النفس مالا تطيق، ليس في العبادات فحسب وهذا واضح، ولكن في العقيدة والتعامل مثل:الحكم على الآخرين بالكفر أو الفسق، أو غيرهما دون أن نُكلف بهذ، وهذا يورث التضييق على النفس بتحمل ذمم الآخرين، والجرأة عليهم، دون برهان أ ودليل .

- وكذا الحكم على المجتمع بالضلال جملة وتفصيلاً دون التأمل والتفقه في هذه الأحكام.

- وكذا الأحكام الإجمالية على الأشخاص والأوضاع دون التأمل في نصوص الشرع المختلفة، والرجوع إلى أهل العلم .

- ومن ذلك التضييق على النفس في النظر السلبي لكل شيء، كأن اللإنسان ينظر في نظارة سوداء فيرى كل شيء أسود دون النظر إلى المحاسن والإيجابيات، وفي ذلك يقول -صلى الله عليه وسلم-: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم).

 

- ويصل الأمر إلى التضييق على الأسرة حتى فيما أباحه الشرع في شؤون الحياة المختلفة، وغير ذلك مما يعايش في واقع الحياة.

6- بقي أن نقول: إن تقرير مبدأ السعة، لا يعني الانفلات عن حدود الشرع، وتمييع نصوصه، أو العبث به، وفي ذلك صور كثيرة في واقع كثير من الناس، لعل لعلها حديثاً آخر.

ولكن أردت هنا التركيز على:

-      أن نعيش في ضوء فقهنا العلمي وفقهنا السلوكي،وما أراده الله تعالى لنا من العيش في السعة في الدني، وفي أمور معيشتن، وفي أنماط سلوكنا ولننعم برحمة الإسلام ونحيا في ظلال محبته، وننتج معتمدين على قواعده، لنصل إلى دار السلام آمنين مطمئنين، رزقني الله وإياكم ذلك.

 

سدد الله الخطى،،،

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...