بحث عن بحث

 

غزة حدث وموقف

 

 

 

 هذا المقال كتبه فضيلة الشيخ بعد الهجمات الصهيونية الأولى على غزة ،وكأن التاريخ يعيد نفسه 

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين،  ولا عدوان إلا على الظالمين،  ونصلي ونسلم على سيدنا ونبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فلم يكن خافياً اليوم ما يفعله اليهود في غزة في فلسطين, مما لا يحتاج إلى تصوير, فوسائل الإعلام العالمية المختلفة تتبارى في نقل الصورة الحقيقة, مما يعجر البلغاء من وصفه, شناعة, وبشاعة, من القتل والتدمير, وعمق الجراح, والجوع, والبؤس, وغيرذلك.

ومن المسلمات في الشريعة الإسلامية, وما ندبت إليه  السنة النبوية في حق الأخوة الإسلامية نذكر أنفسنا وإخواننا المسلمين في كل مكان في مايلي:

 

أولا: أن مما ينبغي فقهه سنن الله سبحانه وتعالى في هذا الكون السنن الشرعية والقدرية الكونية, وأن تنطلق الأعمال وفق هذه السنن لا مضادةً لها, وهي في الوقت نفسه تعين على تبصر الطريق ووضوح الرؤية, ومن هذه السنن:

1- سنة الصراع بين الحق والباطل –وقد أوضح الله جل وعلا هذه السنة في كتابه الكريم وأوضحها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة, وابتدأ هذا الصراع منذ معارضته إبليس _أعاذنا الله منه_ لخلق آدم عليه السلام والسجود له.

وما يجري الآن في فلسطين بعامة وفي غزة بخاصة حلقة من حلقات هذا الصراع الذي يمثل فيه اليهود جانب الباطل أيما تمثيل.

 

2- ومن السنن سنة الابتلاء في هذه الحياة لعباد الله المؤمنين بأي نوع من الابتلاء, سواء كان ابتلاءاً فردياً أو جماعياً, أو معنوياً أو جسدياً أو في الرخاء أو في الشدة, قال تعالى: ( الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ).

وكلما زاد الابتلاء دلّ على عمق الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل...), ولا شك أن مايجري في فلسطين هو نوع من الابتلاء ليأتي بعده التمحيص والتدقيق والمحاسبة والمراجعة والتصويب والتصحيح, وهذه سنة الله تعالى في العباد والبلاد, ولكن لنعلم أن العاقبة للمؤمنين, والنتيجة لأولياء الله المتقين, والثمرة للصابرين ولكن بشروط: الإيمان به, والتمسك بشرعه, والصبر على ما ابتلوا به, وعدم الخروج على حدوده, والإنصاف في التعامل مع سننه الكونية والشرعية, وقد أخبر الله تعالى بذلك يقينا: (إن تنصروا الله ينصركم), ولا أخال أن إخواننا في فلسطين واعين كل الوعي بهذه السنة الربانية العظيمة, وبالذات قادتهم فالله الله في الصبر والمصابرة, مع محاولة التصحيح للأخطاء ومراجعة النفس, والعاقبة للمتقين.

والعلم بهذه السنة الإلهية يرزق النفس الطمأنينة, والسكينة وقوة الفأل, والثقة بموعود الله تعالى ونصره.

 

ثانياً: ومما ينبغي فقهه ومعرفته التعرف على اليهود: فمن هم اليهود؟ وماصفاتهم التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم, وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية ؟ وما تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما سيرتهم على مدار التاريخ؟ وهل تغيرت؟ وما قصتهم في فلسطين؟ وما هي أفعالهم فيها؟ وغير ذلك مما سطّر في كثير من المراجع ومنها ما كتب في التفسير حول الآيات التي تحدثت عن بني إسرائيل وكذلك كتب السيرة النبوية, والسنة الشريفة؟ ومن ذلك كتاب: اليهود في السنة المطهرة للدكتور عبد الله الشقاري, وكتاب: اليهود في القرآن والسنة للدكتور محمد أديب الصالح وغيرها .

 إن معرفة اليهود وعمق عداوتهم للمسلمين يؤكد للناظر أن حربهم على غزة هذه الحرب السافرة حرب مبدأ فهي حرب على الإسلام وعلى أهل السنة بخاصة فليست حرباً وليست على حزب أو طائفة وإلا فلمَ تهدم المساجد؟ وتقصف الجامعات؟ وتقتل الأطفال والنساء؟ ويمنع الغذاء والدواء؟ بل وأبسط مقدرات الحياة على مليون ونصف ساكني هذه البقعة؟!!

إن الوعي التام بهذه المسألة يجعل المسلم أيا كان موقعه يضع القضية في موقعها الأساس فيتعامل معها وفق هذا الموقع.

 

ثالثاً: لا شك أن الأسئلة تحور على لسان كل مسلم فيما يقع على أرض فلسطين من تسلط اليهود عليهم, أو من تناحر بعضهم لبعض, ومن هنا تساؤل الفرد: مالواجب الذي ينبغي أن تقوم بعه الأمة المسلمة وبخاصة الأفراد.

 

ولعلي ألخص بعض الواجب في نقاط:

1- الشعور بعظم ما تواجهه فلسطين من مصائب ومحن من أعدائهم ومن ناصرهم، وكذا من المنافقين والمرجفين فيهم، غير أن هذا الشعور ينبغي ألا يطغى على واجبات الفرد الأساسية فينساها، فتختلط لديه المفاهيم والأوراق.

2- الدعاء لهم بجمع الشمل وتصحيح المسار، والتوفيق، والنصرة على الأعداء، وأن يريهم الله تعالى الحق ويرزقهم اتباعه، ويريهم الباطل باطلا ويرزقهم اجتنابه، وأن يعيذهم من شر أنفسهم، وشر أعدائهم، وأن يكون لهم معينا ونصيرا وظهيرا، وأن يرد كيد أعدائهم، والمتربصين بهم الدوائر في نحورهم،  وأن يجعل تدبيرهم في تدميرهم وأن يجعل بأسهم بينهم، وغير ذلك من الأدعية الصادقة، ويكون ذلك في الصلوات، والخلوات، وفي أوقات الإجابة، أفرادا وجماعات، والإلحاح في الدعاء.

3- من يستطيع أن يقدم نصحا أو توجيها، أو رأيا، فيقدمه لهم بأي وسيلة من الوسائل الشرعية.

4- تشجيع المناشط الخيرية والإغاثة، والصحية، والتربوية، والتعليمية، والإصلاحية بقنواتها الواضحة في فلسطين، كل بحسب مقامه واستطاعته.

5- المعونة المادية بقدر ما يستطيع الفرد، بالقنوات الواضحة الموثوقة، ولو بالقليل، فإن القليل مع القليل كثير ، والسيل باجتماع النقط .

6- إحياء ثقافة عداوة اليهود في الإعلام والمساجد وغيرها  من المنابر المتاحة, ووضع هذه العلاقة في موضعها الحقيقي.

7- النصح لأئمة المسلمين وقادتهم, ومعونتهم على القيام بالواجب والمستحب في هذه القضية الأساس.

8- الشعور بالنصر, والتفاؤل في ذلك, مع العمل بالمستطاع شرعاً ومصلحة, وعدم اليأس والقنوط, ورفع الإحباط عن النفوس فتذكر مسار القضية يوحي بمجالات النصر المتعددة, مع توسع المدارك بأن النصر له أوجه مختلفة وليس وجهاًواحداً.

9- عدم التلاوم وضياع الأوقات وتفريغ الطاقات في السباب والشتائم للمنظمات والحكومات وغيرها, فعلى المسلم أن يتعامل مع الأحداث في وجهها الإيجابي لتثمر جهوده, ويرفع الإحباط, ويبصر الرؤية الحق.

 

رابعاً: كان من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الأزمات والمحن التمتع بالهدوء, والتفاؤل, ولعل قصة الهجرة أوضح مثال على ذلك, وماوقع من شباب الأمة هنا وهناك في مشاكل وفتن, والتفكير بنفس مشدودة, وضيق قي تناول القضايا, ويأس من الواقع, كل ذلك كان من أهم العوامل للانحراف غلواً وتقصيراً, والتمعن في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يضع لنا هذين المعلمين الأساسيين ولعلنا نوصي بهما أنفسنا, وإخواننا في فلسطين, فلا شك أن في طيات المحن منحاً, وما جاءت هذه المحن إلا لتقوية التثبيت والتصفية, فقد ابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو أعظم ولكن العاقبة للمؤمنين.

ومن هنا فتربية النفس على التفاؤل مطلب شرعي (إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ), وكذا الهدوء والطمأنينة تجلي ما قد يقع على العين من غبش في الؤوية الحقّة.

ولكن هذا التفاؤل لا ينبغي أن يكون مقعداً عن العمل, واستسلاماً للواقع, فيجب أن يصاحبه العمل, والجد فيه, وبذل الأسباب الممكنة, وعلى قدر الاستطاعة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم في جميع مواقفه.

 

خامساً: كل ما سبق من الكلام يزيد من تأكيد واجب الدول العربية و الإسلامية ممثلة بمؤسساتها, وحكوماتها, وإدارتها الإغاثية والعلمية, فتقوم بواجبها المناط بها, بحسب هذه المسؤلية فالأمانة عظيمة, والمسؤلية كبيرة وعليهم أن يرتقو فترتقي لمستوى الحدث, وتسارع في نصرة إخوانهم (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر..)

 

سادسا: والعالم ينظر إلى هذه المأساة, يذكرنا نحن المسلمين بضوابطنا الشرعية, لئلا تزل قدم بعد ثبوتها, من ذلك عمل ما يخالف الشرع, أو توجيه الناس توجيها يتضمن مخالفة شرعية , أو إصدار فتاوى تتجاوز الحدود الشرعية, مثل تعدي المعركة خارج حدودها, وإشاعة مبدأ القتل والتدمير.

ومثله في المقابل إطلاق الأوصاف على الآخرين, أو على العزّل من أبناء غزة بشيء من التجاوز, لئل يجر اللسان إلى مايرديه كقول بعض الناس مقالة المنافقين في أحد: (لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا), فالحذر الحذر من الوقوع في مثل هذه الفتن التي تعمي البصر والبصيرة, غلواً أو جفاء, والشريعة الزموا, وحدود الله قفوا.

نسأل الله تعالى أن يفرج هم المهمومين من المسلمين أجمعين, وأن يكون لنا جميعاً مؤيداً ومعيناَ, وولياً وظهيرا, ونصيراً وأن ينصر إخواننا في فلسطين نصراً مؤزراً, وأن يسدد رأيهم ويجمع كلمتهم على التوحيد, وأن يجمع صفهم ويكفيهم شر أعدائهم وشر أنفسهم, وأن يرحم موتاهم, ويشفي مرضاهم, وأن يهزم عدوهم, ويجعل كيدهم في نحورهم, وتدميرهم في تدبيرهم وأن يرد عليهم خططهم ويفرق كلمتهم وصفهم , إنه ولي ذلك والقادر عليه.

سدد الله الخطى, وحقق الآمال , والله من وراء القصد

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه