بحث عن بحث

 

غزة:رؤية واقعية مستقبلية

 

 

 

هذا المقال كتبه فضيلة الشيخ بعد الهجمات الصهيونية الأولى على غزة ،وكأن التاريخ يعيد نفسه

 

يتحدث كثير من الناس على مختلف مستوياتهم العلمية، و توجهاتهم الفكرية, و مناهجهم السلوكية, أو حتى آرائهم العقدية, ومذاهبهم، ومللهم عن غزة وأهلها, وما أصابهم من تسلط اليهود وأعوانهم : التسلط العسكري، وما أصابهم من الخذلان من بني جلدتهم, وكذا الحديث عن مقاومتهم، وصبرهم، وتحملهم، ومعاناتهم، ونكاياتهم باليهود, وتنشأ أسئلة كثيرة عن هذا الاعتداء الهمجي العشوائي، وكثير منها محيّر لكثير من ذوي الألباب، وتزداد الحيرة  عندما تأتي الأسئلة التي تمس الواقع العملي:

 

ما دوافع هذا الغزو ؟ وما الذي يهدف إليه؟ وهل حقق شيئاً من أهدافه؟ وما أبعاده؟ وما الذي ينبني عليه بعده؟ وهل هو غزو ديني؟ أو هو حرب على طائفة أو فرقة؟ ومن هو المنتصر، وكلٌ يدعي النصر؟ وما موقفنا وقد وضعت الحرب أوزارها؟ وبدأت المناورات الكلامية وإملاءات الشروط؟ وهل فعلاً يهود اليوم بفعلهم هذا هم يهود الأمس الذين قتلوا كثيراً من الأنبياء؟ وحاولوا قتل نبي الله عيسى - عليه الصلاة والسلام - فرفعه الله تعالى إليه؟ وحاولوا مراراً قتل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم- بشكل مباشر، وغير مباشر ؟ ونقضوا العهود معه مراراً ؟ وتحالفوا مع المشركين؟ وشجعوا المنافقين؟ وهل هم الذين خططوا لقتل الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه-؟ وقتلوه بتدبيرهم؟ وقتلوا الخليفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- بتدبيرهم كذلك؟ وهل هم الذين يعتقدون أنهم خيرة الشعوب، وأن غيرهم لا يجوز إلا أن يكون خدماً لهم؟ وهل هم الذين تحالفوا مع بريطانيا وغيرها، حتى تمكنوا من سكنى فلسطين، واغتصبوا أرضها, وقتلوا كثيراً من أهلها؟ ودمروا كثيراً من مكتباتها؟ وهل هم بالتالي في حربهم هذه يحاربون حزباً، أو طائفة، أو نوعية من الناس؟ فدمروا مساجد، ومستشفيات، وجامعات، ومدارس، ومصادر الطاقة، وكثيراً من الطرقات، والبيوت، ومنعوا الغذاء والدواء، وقتلوا الأطفال، والنساء، والشيوخ.

وإن كانوا يهود الأمس فما بال أفراد من المسلمين يشجعونهم ضمناَ، وذلك بالقدح والتثريب على إخوانهم المستضعفين في فلسطين؟ هل وصل بهم الحال إلى أنهم لا يفقهون حقيقة اليهود, وأنهم اليوم على غزة وغداً بمكان آخر، فمخططاتهم المكشوفة لم تصل إلى هؤلاء؟ وهل لا يستحق الفلسطينيون – عند هؤلاء- شيئاً من التعاطف بما يسمى التعاطف الإنساني؟ ألا يظنون – وهم مسلمون بلا شك- أن ديننا يعطف على الحيوان بل يدخل الله تعالى بسبب الإحسان إليه الجنة ويحرم من النار؟ ويستحق صاحب الإيذاء  النار؟ كما في حديث المرأة التي سقت الكلب فدخلت الجنة؟ وحديث المرأة التي حبست الهرة فدخلت النار؟ وهل يجهل هؤلاء هذه المعاني في ديننا العظيم؟

ومن آخر الأسئلة الآن؟ من المنتصر؟ وهل للنصر صورة واحدة، أم صور متعددة؟ وما العمل بعد هذه الحرب؟

 

   *       *       *

 

هذه نماذج من الأسئلة، وغيرها كثير، التي أفرزها هذا العدوان الوحشي على غزة، ورآها العالم كله على الهواء مباشرة في ليله ونهاره, والأطفال قبل الكبار, والشعوب قبل الساسة, ولن يتوقف سيل الأسئلة، ولو بعد وقوف الحرب، فلها إفرازاتها، وتداعياتها التي لن تكون نهايتها وقف إطلاق النار, أعان الله أهل فلسطين خاصة , والمسلمين بعامة.

 

   *       *       *

 

إن الإجابة على هذه الأسئلة، وغيرها، يتطلب النظر والتأمل من عدة زوايا من أهمها تحديد المنطلقات التي من خلالها تتم الإجابة ، ومن أهمها:

1- المنطلق الشرعي الذي بيّنه ربنا - جل وعلا- في كتابه الكريم، فليس النظر مبنياً على مجرد رأي فردي من زاوية ضيقة, أو مصلحية نفعية يعتقدها, وليس مبنياً كذلك على صوت قوي أثر على رؤيته وأحكامه.

وعند التأمل في كتاب الله، نجد قضايا مسلّمة يقينية، من الخطِأ الفادح إغفالها، أو تناسيها عند اتخاذ موقف، أو إجابة على سؤال, وذلك مثل:

أ‌- تأصيل عداوة اليهود للمسلمين كما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  .

ب- أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا.

ج- أنهم لا يعجبهم شيء إلا اتباعهم، وبقاء الآخرين تبع لهم.

د- أنهم يتمنون أن يردوا الناس عموماً عن دينهم.

هـ- أنهم أهل مكر، وخداع، ولا أمان لهم.

    وغير ذلك من المسلّمات المذكورة في القرآن الكريم, قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم), وقال سبحانه: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا).

 

ومن المنطلقات الشرعية:

أ‌- أن لله - سبحانه وتعالى- حكما في بقاء الصراع بين الحق والباطل؛ بمعنى أنه مهما حاول المسلمون استرضاء يهود, فلن يبقى الأمر على هذه الحال, وتاريخ اليهود والعرب حافل بتصديق هذا المنطلق الكبير.

    نعم: لا يعني عدم المهادنة, أو المعاهدة على قضية بعينها، لكن هذه المعاهدات يجب أن لا تنسي هذه السنة الربانية.

    وبمعنى آخر: يجب على أهل الحق أن يوقنوا بحقهم، ويعملوا لنصرته بكافة الوسائل الممكنة, بل وينشروا هذا الحق ويهدوه للبشرية جمعاء، والمتمثل في قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

     وهذا يوضح بجلاء عظم الخلط، وشدة المفارقة بين اعتقاد مسالمة اليهود, والغفلة عن العمل للحق.

ب- إننا ملزمون بالعمل وفق كتاب الله - سبحانه وتعالى-, وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، والتعمق في النظر في سيرته . 

2- المنطلق التاريخي:

ابتداء بتاريخ بني اسرائيل مع الأنبياء والمرسلين ومروراً بموقفهم من نبينا - محمد صلى الله عليه وسلم- إلى تاريخهم المعاصر, ومن المسلمات في ذلك:

أ-  قتلهم لعدد من الأنبياء, قال تعالى: (وقتلهم الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).

ب- محاولة قتلهم لنبي الله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام, قال تعالى : (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم).

ج- محاولة قتلهم لنبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم عدة محاولات, حتى مات عليه الصلاة والسلام من أثر السم التي وضعتها له يهودية في طعامه.

د- نقضهم للعهود مع النبي - صلى الله عليه وسلم- مراراً, وتحالفهم مع سائر الكفار، كما في الغزوة المشهودة غزوة الخندق.

هذه وأمثالها مما يعرفه المسلم الذي يتأمل القرآن الكريم, وشيئاً من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم- مما لا مجال لتفصيله أكثر هنا.

 

3-  المنطلق النفسي, وهذه لا تحتاج إلى بيان كثير, فمن المسلمات أن دراسة نفسية أي خصم يساعد في بيان كيفية التعامل معه.

   والدراسات أكثر من أن تحصر في الإجماع على معرفة نفسية اليهود، مما بينه الله تعالى في القرآن الكريم, ومن ذلك:

أ – اعتقادهم الأفضلية على العالم كله, إذ إنهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، فوصفوا أنفسهم أنه شعب الله المختار, قال تعالى: ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه), ولكن الله تعالى رد عليهم: (قل فلم يعذبكم الله بذنوبكم).

ب- أنهم أهل حيل، ومكر، وخداع، كما قص الله تعالى قصتهم في قضية تحايلهم على الصيد, قال تعالى: ( واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ{163} وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{164} فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ{165} فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ{166})

ج- أنهم يحبون إشاعة الفساد في الأرض, قال تعالى: (ويسعون في الأرض فساداً, والله لا يحب الفساد).

د- أنهم أهل إثم وعدوان, وأكل للحرام, قال تعالى: (وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون).

هـ - أنهم أهل حروب واعتداء: ( كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ). 

  وغيرها مما يتعلق في نفسية هؤلاء اليهود، والتي ينطلقون منها لتحقيق مآربهم وأهدافهم.

 

4- منطلق  السنن الشرعية، والسنن الكونية القدرية وهذه من أعظم المنطلقات التي تعين المسلمين جميعاً لتحديد مواقفهم من الأحداث, وصياغة المنهج الذي يتعاملون به في وقت الحدث, وما بعده, بل وما قبله، وأسرد نماذج لهذه السنن العظيمة:

أ‌-     ما سبق في بيان سنة الصراع بيان الحق والباطل.

ب- سنة الابتلاء على مستوى الفرد, وعلى مستوى المجتمعات والدول، وهذه سنة،كثر الحديث عنها هذه الأيام.

ج- سنة التغيير نحو الأفضل أو الأسوأ, وأنها مصدر التغيير على أرض الواقع, ومن ذلك قول الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

د- ومن السنن أن بداية التغيير من الفرد نفسه, قال تعالى عن المسلمين في غزوة أحد لما تساءلوا عمّ حصل لهم: (قالوا أنّى هذا، قل هو من عند أنفسكم)، وقال سبحانه: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم), وهذه السنة تجعل المسلم في أي مكان من العالم يبدأ بتغيير نفسه؛ حتى ينتصر المسلمون على اليهود، وغير اليهود وحتى ترفع راية الإسلام في كل مكان.

هـ - ومنها: أن المعاصي هي سبب الابتلاءات، والعقوبات، والمحن, قص الله - سبحانه وتعالى- علينا قصص أقوام الأنبياء الذين عذبوا, فكان ذلك العذاب بسبب عصيانهم لله – سبحانه- وعدم طاعتهم له ولرسله, فعذَّب قوم نوح بالغرق , وعاد بالريح, وثمود بالصيحة, وقوم لوط بقلب الديار.... وغير ذلك.

وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث أكثر من أن تحصى شيئاً عن عقوبات المعاصي الجماعية والفردية.

      إن من المؤسف حقاً التغافل عن هذه السنّة العظيمة، التي يجب أن تشاع في أنحاء المعمورة كلها.

و- ومنها أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للعن الأمم, وقد لعن الله تعالى اليهود بهذا السبب, قال تعالى: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ{78} كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ{79})

ز- ومنها: أن الله تعالى قيّد نصره للمؤمنين بنصره تعالى, قال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم), ونصر الله تعالى يكون بالعمل بدينه، وبما جاء به رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم-.

ح- ومنها: أن الظلم عاقبته وخيمة, وهو ظلمات في الدنيا والآخرة، حتى ولو كان الظالم من المؤمنين الخلص, ولو كان المظلوم من الفساق والكفار, قال تعالى: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار), وقال - عليه الصلاة والسلام-: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات), وقال - عليه الصلاة والسلام- لحبيبه معاذ بن جبل - رضي الله عنه-: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب), وفي رواية حسّنها الحافظ ابن حجر: (واتق دعوة المظلوم ولو كان فاجراً ففجوره على نفسه).

ط- ومنها أن الناس ثلاثة أقسام: كفار, ومؤمنين , ومنافقين, وهذه الأقسام الثلاثة موجودة منذ أن بعث النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة, ولذلك قص الله تعالى أخبار هؤلاء، وهؤلاء، وأولئك، في مواضع كثيرة من كتابه الكريم, بل في مطلع سورة البقرة.

وإدراك هذا الأمر يتضمن تحذيراً شديداً للمؤمنين من المنافقين؛ لأنهم يظهرون مالا يبطنون, ويدعون ما لا يعتقدون, فهم أشد خراباً على المؤمنين من الكفار الظاهرين, لإجادتهم حسن الكلام, والقدرة على الكتابة والتلبيس والتدليس, ويظهرون بمظهر الإصلاح, قال تعالى: (وإن يقولوا تسمع لقولهم), وقال – سبحانه-: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون*ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).

ك-  ومنها الأمر بالتفاؤل، والنهي عن اليأس، مع اصطحاب العمل والاستمرار فيه.

   وهذه السنة العظيمة تجلت بوضوح في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم- كما في أول دعوته, وفي قصة الهجرة, وفي غزواته, وخاصة في غزوة الأحزاب، التي تشبهها أحداث غزة، فقد كان - عليه الصلاة والسلام- يضرب الصخرة في الخندق، ويقول لأحد أصحابه: (أبشر فقد جاءكم النصر).

ل- ومنها أن الله تعالى علمنا أن النصر ليس له وجه واحد، منحصر في كثرة القتلى والجرحى، وإشاعة التدمير، وهدم الممتلكات، وإفساد المقدرات، من دور العلم, والصحة، والوقود, وغيرها.

 بل يأخذ أشكالاً، وأنماطاً متعددة, دلَّ على ذلك أن ما قصّه الله - سبحانه وتعالى- عن معركة أحد واعتبره نصراً كبيراً، مع أن القتل في جيش النبي - صلى الله عليه وسلم- كان أكثر, وجرح فيها النبي - صلى الله عليه وسلم- وكسرت رباعيته, فلنقرأ ماذكر الله تعالى في سورة آل عمران.

كما اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ما جرى يوم الحديبية فتحاً ونصراً، بل أخبر الله تعالى عن ذلك، مع ما في بعض شروطه من إجحاف بالمسلمين في الظاهر. 

إن اعتقاد مثل هذا يبعث في النفوس الطمأنينة والثقة بموعود الله - سبحانه وتعالى-، والعمل المتواصل المستمر في مختلف المجالات، وعلى مختلف المستويات، وفي مناحي الحياة كلها.

م- ومن أعظم السنن أن العواقب و النتائج حتماً للمؤمنين، إذا حققوا التوكل على الله، والاستعانة به، والثقة بنصره وموعوده، وفي الوقت نفسه إذا عملوا بالأسباب الشرعية، و المقدور عليها، كل بحسبه، دولاً، ومجتمعات، وأفراداً.

ن - ومن السنن: سنة التدافع بين الناس، وهي سنة جارية في هذا الكون لتتم عمارته: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين )

 

   *       *       *

 

  هذه جملة من السنن العظيمة التي يعين استصحابها حال الإجابة على الأسئلة؛ لكي تكون أجوبة مطمئنة، مبرئة للذمة، بعيدة عن الشطط، وتحكم العواطف، والانسياق وراء صوت قوي، أو جلبة إعلامية، أو رؤى نفعية.

 

5- منطلق جلب المصالح، ودرء المفاسد.

من المعلوم أن من مقاصد الشريعة جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها . كما قرر ذلك أئمة الإسلام،  كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهما - رحم الله الجميع-، وكما هو مستند على أدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ويندرج تحت هذه القاعدة قواعد فرعية أخرى، مثل: نفي الضرر، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ودفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما، وغير ذلك من القواعد المؤثرة في تنزيلها على الواقع .

     والكلام في هذه القواعد يطول، لكن المقصود هنا : استصحاب هذه القواعد وأمثالها؛ لاتخاذ مواقف محددة في هذا الحدث وأمثاله، وأن الذي يستصحبها وينزلها على الواقع هم العارفون بها وبالواقع.

 

6- منطلق الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

وأظن أن هذا المنطلق لايحتاج إلى تعليق، فيوجب على غير العارفين عدم إطلاق الأحكام، والتعليقات، وغيرها.

 

     وأكتفي بذكر هذه المنطلقات التي تتأكد في حق من يتبنى موقفاً ليتعامل به، وبخاصة من يكون محلاً للاتباع.

 

   *       *       *

 

     وبناءً على ما سبق في المنطلقات لاتخاذ موقف محدد، واستلهام الدروس المستقبلية، أذكر جملة من الأمور التي تجيب على الأسئلة السابقة، لعلها تكون إضافة – مع سائر ما ذكره أهل العلم والرأي في مثل هذه الأحداث-، تنير درباً، وتحدد مسلكاً، وتجلب مصلحة، وتدرأ شراً.

1-  إن ما حصل في غزة لا يشك مسلم أنه اعتداء عسكري على الإسلام والمسلمين من قبل اليهود، وإن لبس لبوساً أخر.

     فليست حرباً طائفية، أو على فرقة، أو على حزب، فكل الأحزاب والفرق الموجودة في غزة، وأشخاصها، لم يوجدوا إلا متأخرين، ومذابح اليهود في سلسلة متواصلة منذ وعد بلفور، مروراً بعام 48 و 67 و 73 وغيرها، مما أصبح ثقافة منشورة .

    إن حصر هذا الغزو ضد جهة معينة محاولة لإبعاد أفعالهم عن واقعها الحقيقي.

    أحسب أن هذه حقيقة، فمن غير الحصافة إغفالها لمن يعرف حقيقة اليهود، وتاريخهم الأسود.

 

   *       *       *

 

2- إن عداوة اليهود مستمرة، وفي هذه البقعة بالذات (فلسطين)، كذا أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم- بل أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، كما أخبرنا الله - جل وعلا- في القرآن الكريم.

وبناءً على ذلك: من المهم أن نعي هذه الحقيقة، ونجدد وعيها للأجيال.

ومقتضى هذا الوعي أن يبنى التعامل معهم وفق المستلهم من القرآن الكريم الذي قرر هذه العداوة، ووفق تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم-، وعليه: فتقديم التنازلات غير المحدودة مع اليهود على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المجتمعات، والدول المسلمة، محل نظر، يحسن التأمل فيه والمراجعة.

 

   *       *       *

 

3- ومما يبنى على ما ذكر: ضرورة الوعي بسمات اليهود، وصفاتهم، وتعاملهم، من خلال النصوص القرآنية والنبوية، ومن خلال تاريخهم  قبل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم-، وفيما بعد بعثته - عليه الصلاة والسلام-، وفي تاريخهم المعاصر.

    إن الوعي بهذه السمات وتأملها، يبعد الغبش الحاصل عند كثيرمن الذين ينظرون من خلال مصلحة ضيقة، أو حالة خاصة، أو عاطفة جياشة، تلغي المصالح والمفاسد .

    وعليه فيجب على أهل العلم والرأي والفكر والتربية توضيح هذه المفاهيم الكبرى .

 

   *       *       *

 

4- وهذا لا يعني إلغاء التعامل معهم، والمعاهدات، والمناورات، بل يضفي شيئاً من إنارة الدرب، والذي يقدر هذه الأمور هم أهل الرأي، والحل، والعقد، ويخضع للنظرات العليا في المصالح الكلية، والجزئية، والمفاسد العامة، والخاصة.

ويستلهم ذلك من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم- في تعامله معهم، فعقد العقود، وأخذ العهود في بعض الأحوال، وتعامل بالقوة في بعض الأحوال.

ويبقى الأمر المهم في هذه المسالة: من الذي يقدر النظر في هذه القضية الحساسة المفصلية؟

سؤال في غاية الأهمية والجواب الإجمالي أن نقول كالعادة: أهل العلم والولاية، كل فيما يخصه، ولكن نقول بشيء من التفصيل: إن أهل الشأن في فلسطين من ولاة، وعلماء، وأهل فكر، ورأي، هم في المقدمة، فهم أهل الميدان، والأعلم بحال القوم .

ومن هنا ندعوهم لأن يتحدوا، ويجمعوا كلمتهم، ويوحدوا صفهم، ويتركوا التشنج والخلاف القومي، ويراعوا المصالح الكبرى، وإن كانت على حساب مصالح جزئية أخرى فالعدو لايفرق .

ولعلنا هنا نشيد بمواقف جميع الفصائل، باتخاذ الموقف عندما حدث هذا الاعتداء.

ومما ينبغي أن يعلم أن هناك دولاً وشعوباً مجاورة، لها حق في القضية، فأهل العلم، والرأي، والولاية، هم من يحدد المواقف، من خلال ما سبق في القضايا الشرعية، والمصلحية الكبرى.

ولذا ندعو هؤلاء أيضاً إلى ضرورة الاهتمام بالقضية، والتنسيق الفعلي مع جميع الأطراف من أهل فلسطين، وليس لطرف دون آخر.

أدرك تماماً عظم القضية، ودقتها، وتعقيدها، ولذا أقول هنا:

أ- إن المسؤولية على أهل العلم والسياسة مسؤولية عظيمة، تتطلب الحكمة، والعلم، والتعاون، والتشاور، وإبعاد الحنق، والضيق، وتحكم المصالح الذاتية، أو العواطف الجياشة.

ب- على عامة المسلمين أياً كانوا، وبخاصة فئة الشباب والشابات، أن يعوا خطورة الموقف، ويرتقوا بمستوى الوعي؛ لتكون مواقفهم مبنية على علم ودراية.

وعليه فلا نستغرب وجود معاهدات، أو تعامل قد لا يرضي متحمساً، ولا طموحاً، ولا مستعجلاً.

ج- وعلى أهل العلم أن يكونوا واضحين في مواقفهم، وأن تكون هذه المواقف مبررة شرعاً، وبخاصة الخطوات العملية.

د- والحذر من اتخاذ مواقف فردية من طلبة العلم، قد تضر فئات من الناس، أو تضر القضية بكاملها، أو تتسبب بأضرار مع الآخرين، دون حسبان للنتائج والعواقب.

 

   *       *       *

 

5- إن التأمل في بعض ما جرى في الحدث نفسه، سواء من أهل فلسطين في قلب الحدث، أو من سائر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، تجلَّى فيه معاني عقدية غاية في الأهمية، من الضرورى استمرارها، وإحياؤها في النفوس، وتجديدها على أرض الواقع ومنها:

أ- الحدث كله قضاء وقدر من الله تعالى، ابتلى به مباشرة أهل غزة، وابتلى به غيرهم بشكل غير مباشر.

و( القضاء والقدر ) ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان العبد إلا به، كما في حديث جبريل - عليه السلام- عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، فأجابه بأركان الإيمان، ومنها: ( أن تؤمن بالقضاء والقدر ) .

إن استشعار هذا الركن وإحياءه في النفوس يورث قوة الثقة بالله تعالى، وعمق الطمأنينة، والدافع المعنوي، بأن ما حصل لحكمة يريدها الله تعالى، فيعلي به أقواماً ، ويذل به آخرين.

كما أن استشعار هذا الركن العظيم يورث قيمة من أعظم القيم، وهي قوة الصبر والتحمل، الذي هو من أقوى عوامل الفوز والنجاح.

 ومن هنا: يؤكد على إحياء هذا الركن العظيم في النفوس، وبثه بين الناس.

ب‌-في الحدث تجلّى معنى عقدي عظيم،  وهو اللجوء إلى الله، والتوكل عليه، فتخاذل الدول الكبرى، والتباطؤ المشين منهم، والحيرة في البداية لدى كثير من الدول العربية والإسلامية، والعدو يضرب الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة، ويدمر البيوت والمستشفيات، ودور التعليم، وغير ذلك، كل هذا جعل أولئك الذين تحت القصف والدمار، والآخرين الذين لا حول لهم ولا قوة، يدركون تماماً أنه لا نافع إلا الله تعالى، ولا مدبر إلا هو، فيقوى عندهم هذا التوكل العظيم.

وعليه فمن الخير العظيم أن نحيي هذا المعنى في جميع شؤون حياتنا، وفي المدلهمات بخاصة.

ج‌-ومن المعاني العقدية التي ظهرت بوضوح معرفة كثيرين لأهمية دعاء الله تعالى ومسألته، فهو السلاح الأكبر، والنافذ بقوة، والله – سبحانه- قد تكفل بإجابة الدعاء، ويحب – سبحانه- إلحاح الملحين، وكم يؤسف العاقل أن يسمع كلمات من هنا وهناك، تهمش شأن الدعاء، وهذا أمر عجب، ألا يعلم هؤلاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمضى ليلة بدر كلها بالدعاء . حتى سقط رداؤه - عليه الصلاة والسلام- وأشفق عليه صاحبه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه-.

كم نحن بحاجة إلى إحياء هذا المعنى، وبخاصة التذكير بم يتعلق بأهمية الدعاء و شروط الإجابة، وموانعها !

إن الناظر في مجتمعات المسلمين يعصره الأسى وهو يرى موانع الإجابة، وبخاصة المعاصي، ومن أشدها: التعامل بالمحرمات، كالتعامل بالربا، فالله – سبحانه- طيب لا يقبل إلا طيبا، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم-.

وكم يسعد المرء في هذه القضية وهو يرى الأطفال قبل الكبار يرفعون أيديهم للدعاء على اليهود؟! لا شك أن ذلك علامة توفيق، نأمل أن يُعلى قدرها، ويواصل في الاستمرار فيها.

د‌-ومن المعاني العقدية التي أظهرها هذا الاعتداء الوحشي التفاؤل، وحسن الظن بالله تعالى. وكما قيل في المعنى السابق يقال هنا، فمع شدة القصف، وتعطل جميع المقدرات، يبرز هذا المعنى الدقيق، وهو الاستبشار بما وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالنصر، بمفهومه الشامل، الذي يجب أن يتعلمه المسلم – كما سبق – في المنطلقات.            

وهذا يتم من خلال النظر في المكتسبات، والخسائر من الأطراف المعينة ، ومن خلال النظر في المستقبل في ضوء المعطيات العامة.

إن إحياء التفاؤل، وحسن الظن بالله تعالى، يبعث في النفس الطمأنينة، والسكينة، والقوة المعنوية للاستمرار نحو العلو في جميع الأمور، وبالاستمرار في المقاومة الحقة في هذه القضية المصيرية.

يبقى أن يُؤكد على معنى دقيق في أثناء الكلام عن التفاؤل، والاستبشار، وهو أن هذا التفاؤل ينبغي أن يكون مبنياً على معطيات واضحة – نظرية وتطبيقية – وليس مبنياً على مجرد استبشار، وذلك بناء على منطلق العمل بالأسباب، وألا يؤدي هذا التفاؤل إلى التحليق في أفق الخيال، فيعيش الناس في خيال مستمر.

علينا تفعيل التوازن البعيد عن اليأس والقنوط، وعدم العيش في خيال مقعد عن العمل.

هـ ـ ومن المعاني العقدية أيضا تجلَّي مفهوم الولاء لله سبحانه وتعالى ولدينه ولعباده المؤمنين ، والبراء من الكفر وأهله ، ولاشك أن مما يتعيَّن على أهل العلم بيان التفصيل في هذا المعنى الكبير بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا تزل به الأفهام.

 

   *       *       *

6-  مما أكده هذا الحدث الضخم إبراز صورة الصراع بين الحق والباطل، إبرازا يبعد الشك في أي من مقرراته، أو تلبيسه بأي لبوس يبعد جوهره.

إن إبراز هذه الحقيقة يجعل أهل الحق، وأهل الرشد والرأي- بخاصة-يكرسون العمل الجاد بالعمل بالحق، ونشره، والسعي للتمسك به، والدفاع عنه، وعمل البرامج العلمية لترسيخه، وتجذيره، وأخص هنا البرامج التربوية العلمية، ومنها:-

أ‌-  نشر العلم الشرعي المبنى على القرآن الكريم، والسنة النبوية، والسيرة الزكية العطرة، حفظاً، وتعليماً، وعملاً، بكل وسائل النشر، وتربية الأجيال على ذلك.

بالعلم الشرعي نحافظ على أصولنا.

وبالعلم الشرعي تتحد رؤيتنا.

وبالعلم الشرعي تتضح منطلقاتنا.

وبالعلم الشرعي نسدد أحكامنا.

وبالعلم الشرعَي يَسلم مسارنا.

وبالعلم الشرعي نصل إلى غاياتنا .

لست بحاجة إلى حشد الأدلة لبيان أهمية هذا المعنى لوضوحه وجلائه.

وبناءً على هذا المعلم الكبير نؤسس برامج:-

- لتحفيظ القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه.

- لإقامة الدروس؛ لتفسير القرآن الكريم.

- لحفظ السنة النبوية، ونشرها، والدفاع عنه.

- لإقامة محاضرات، ودروس، في السيرة النبوية العطرة.

هكذا نوحد مسارنا المبنى على أصول ومنطلقات ثابتة، وتسد كثير من الفجوات التي ظهرت بين أبناء ملتنا في هذه الحرب.

من المؤمل جداً ألا نطفئ جذوة انفعالاتنا تجاه هذه الحرب العاتية، بتبجيل ذواتنا بالنصر، دون أن يصحب ذلك برامج عملية مستقبلية، مبنية على العلم الحق من مصادره الحقة.

ب‌- إن إدراك سنة الصراع: يضفي على المؤمن العاقل بحق قدراً كبيراً من الطمأنينة والرضى، وفي الوقت نفسه يعطى دافعاً قوياً للاستمرار في الأعمال العلمية، والتربوية، والدعوية، المتضمنة لنشر الخير، ونفع البلاد والعباد، وهكذا كانت سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم-، فقد كان على هذا العهد - عليه الصلاة والسلام-، رغم شدة المواقف في حياته كلها، ابتداء من ولادته يتيماً، مروراً بشظف العيش، وببعثته - عليه الصلاة والسلام- وتحدي قومه له، وعمل المعوقات ضده، إلى غير ذلك مما واجهه - عليه الصلاة والسلام-، ومع هذا كله كان يتمتع - عليه الصلاة والسلام- بقدر كبير جداً من الرضى الباعث على العمل، ولم يقعد عن العمل لحظة من اللحظات، حتى في عام الحزن، وفي أحلك الظروف في مثل غزوة الأحزاب.

إن مجرد الاستمرار في الأعمال هو ثمرة من أهم الثمرات التي تخلفها مثل هذه الأحداث الكبار.

ج‌- كما أن إدراك سنة الصراع الدائمة يؤكد على أمر في غاية الأهمية، وهو ضرورة التثبت، وعدم الاستعجال، في الآراء، والتحليلات، ونقل الأخبار، والنصوص، والفتاوى الفردية، والانفعال تجاه موقف.

آمل أن لا يقول قائل: إن إشاعة هذا المبدأ – التثبت – شعار يبعثه القاعدون المتكاسلون. فهذا القول وأمثاله مما أظنه من تلبيس الشيطان؛ لأنه هكذا يلغى من نفوس أهل الطاعة المعاني العظيمة، التي نحن بحاجة أن نجعلها عناصر مهمة في تعاملنا مع برامجنا المستقبلية.

وكما نقول عن ضرورة الاستمرار في الأعمال المبنية على العلم فنقول أيضاً أن يبنى هذا الاستمرار على قدر كبير من الروية وعدم الاستعجال.

د‌- أن إدراك هذه السنة من سنن الله تعالى، يبعث في النفس عدم الضيق والحنق من وجود الباطل، فليعلم أنه موجود منذ أن عاند إبليس بعدم الاستجابة لأمر الله تعالى في السجود لآدم إلى يوم القيامة. ويدرك المؤمن أنه مع عدم الضيق أن يعلم أن مهمته العمل للحق، وليس مجرد القضاء على الباطل، وإنما إبلاغ الحق للناس، قال تعالى: ( قم فأنذر )، وقال: ( إن عليك إلا البلاغ ).

ومن مقررات هذا التصور الدقيق أن يسرى هذا على جميع برامج مغالبة الحق للباطل.

إن المؤمن الحصيف عليه أن يستشعر كل هذه المقررات؛ ليتخذ منهجه الخاص، وبرامجه الخاصة والعامة في ذلك.

ومن أهم معالم هذا المنهج البعد عن التضييق على النفس، أو على المجتمع حال تصوره غلبة الباطل، وإنما النظر بعين البصيرة لمنهاجه الحق.

 

   *       *       *

 

7-  مما يبرز – على مدار التاريخ – في الأحداث العظام انشطار الناس إلى أقسام متفرقة، وعلى رأس هذه الأقسام قسم يتربص بالناس الدوائر، فقد برزوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- في أحلك الظروف، وبخاصة في الغزوات، كما في غزوة أحد، كما قص الله - سبحانه وتعالى- ذلك علينا في القرآن الكريم، فبسبب هؤلاء المنافقين رجع ثلث الجيش للشبه التي ذكروها، بأن المدينة خلت من الرجال، ونخشى على البيوت والنساء، وإن يعجب الناس من مقالة هؤلاء في هذه الأحداث ، فالعجب يشتد مع من كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ويعلم أن الله تعالى سيفضحهم، لكنها حكمة الله - سبحانه وتعالى-، فهل نعجب بعد ذلك بمن يضع اللائمة على الفلسطينيين ؟ أو سكان غزة ؟ أو حزب معين ؟ وكأن اليهود حمل وديع، مسالم، حبيب إلى النفوس، لا يعادون أحدا، ولا يظلمون، ولا يقتلون ولا ينقضون عهدا   ولاميثاقا، وأنهم أصحاب صدق وتعامل حسن!! ويصب جام غضبه ومداد قلمه على أبناء ملته؛ لأنهم ارتكبوا فيما يظنه خطأ.

  لكن يبقى النظر في الموقف من حال هؤلاء المرجفين، ويمكن هنا تلخيص بعض النقاط بشكل موجز:

أ‌- إدراك وجود المنافقين في كل زمان ومكان.

ب‌- ضرورة الاطلاع على ما ذكره الله من صفاتهم في القرآن الكريم، وبالذات في مطلع سورة البقرة، وفي سورة المنافقين، ومن ذلك:

- ادعاؤهم الإصلاح وهم مفسدون: ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).

- بلاغتهم في كلامهم وتنميقه وتزيينه: ( وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ).

-   إظهار ما لا يبطنون، فتأتي الأحداث لتبين ذلك: ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ).

- همهم السخرية من الدين وأهل العلم والحق، كما في الآية السابقة، وغيرها مما يطول ذكره.

ج‌- ضرورة الاطلاع على منهج النبي - صلى الله عليه وسلم- في تعامله معهم، ومن معالم هذا المنهج:

- معاملة الناس بحسب ما يظهرون، وعدم البحث في النوايا كما جرى مع المعتذرين من عدم حضور غزوة تبوك.

- عدم إصدار الأحكام على معينين، فهذا من الخطورة بمكان، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- لم يصدر حكما على معين ممن أظهر الإسلام، وأبطن الكفر، والمسألة فيها تفصيلات لأهل العلم.

- بيان صفات المنافقين، كما جاءت في القرآن والسنة.

- بيان المقولات والآراء الخاطئة من خلال النظر الشرعي.

- ألا يشتغل صغار طلبة العلم بأحوال المنافقين، فهذا من شأنه أن يشغلهم عما هو أهم، بل يشتغلوا ببناء أنفسهم والاهتمام بها.

- التحذير من النفاق بعامة، بحسب ما جاء في القرآن والسنة.

-  عدم الانجراف وراء الشيطان لتزكية النفس، من خلال التعريض بفلان أو علان.

 

   *       *       *

 

8- مما ظهر في الآونة الأخيرة جليا أكثر من غيره في الأحداث المعاصرة، التعاطف الشعبي الكبير في أرجاء المعمورة لما شاهدوه من الاعتداءات الظالمة، والقتل والتدمير، حتى من بعض الشعوب غير المسلمة.

وهذا يدل على:

أ‌- أن الفطرة الإنسانية مغروس فيها كره الظلم واستنكاره.

ب‌- أن جذوة الإيمان لا زالت متوقدة في الشعوب المسلمة على اختلاف مذاهبهم، ومستوياتهم، وأحوال المعيشة، وغيرها.

ج‌- بغض اليهود وأفعالهم.

د‌- أثر هذه العواطف في واقع الناس عموما.

وهذا يتطلب من أهل الولاية والعلم والفكر استثمار هذه العواطف الجياشة، ووضعها في مسارها الصحيح، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، ويستغل ذلك من لا يحسن، أو حتى مغرض أو صاحب هوى، أو مصلحة، فيوقع الناس في مسارات غير سليمة.

من الاستثمار الايجابي المبادرات التوجيهية السليمة، وربط المواقف بالأدلة الشرعية، وإحياء المرجعية العلمية، والصدور عنها، وعدم التعصب لرأي دون آخر، وينبني على ذلك أن تجتهد المؤسسات العلمية بمختلف تخصصاتها بوضع البرامج المناسبة لذلك.

 

   *       *       *

 

9-ومن الوقفات التي تسترعي الانتباه إحياء المسؤولية الإعلامية بمختلف وسائل الإعلام، والتي قد انشطرت في هذا الحدث إلى شطرين، شطر وعى مسؤوليته فأبدى جهده لتصوير الحدث، ونقله للعالم، والتعليق عليه , وشطر نظر إليه من منظار آخر يحز في النفس، كأنه لا يعنيه، بل استمر في برامجه التي لا تتفق مع الدين , ولا حتى مع مشاعر هذه الأمة التي آلمها الحدث , فانكشف في ذلك غطاءات , وتبين ما تبين مما كان مغبشاً على كثيرين .

وهذا يتطلب :-

أ-الاهتمام من أهل العلم والعقل، بوسائل الإعلام المختلفة، مهما كان أثرها في ظن الظان أنها يسيرة .

ب- على المختصين في الإعلام  الاجتهاد فيما يسوغ لهم الاجتهاد فيه من الإبداع في عمل البرامج النافعة للدور والأوطان .

ج- مناصحة القائمين على مختلف وسائل الإعلام ليقوموا بما حملهم الله تعالى من أمانة هي من أعظم الأمانات .

د- تحذير وسائل الإعلام من تكريس جهدها فيما يتناقض مع الشرع ، والقيم والأخلاق ، وماتبثه من برامج مضعفة للأمة .

 

 

   *       *       *

 

 

10 – ومما يلفت النظر في الأحداث تلك الإبداعات المتفرقة من هنا وهناك : برامج طلابية , ومناشط انترنت , وغيرها مما يثلج الصدر , ويبهج الخاطر , وهذا من شأنه أن يدفع أصحاب المواهب، والقدرات، والتميز، والإبداعات، أن يسهموا في كل ما من شأنه نفعهم، ونفع أسرهم، ومجتمعاتهم، وأوطانهم، وأمتهم، بمختلف الوسائل السلمية الممكنة، ولو كانت قليلة، فأثرها عند الله تعالى عظيم , ولا تقتصر تلك الإبداعات على هذا الحدث، بل الاستمرار، فالكون كله مبني على الحركة الدءوب، التي لا تنقطع ,فلا تنقطع تلك الإبداعات، ومصدر ذلك الشرعي قول النبي - صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت - رضي الله عنه-: (اهجهم وروح القدس معك) . مما يدل على ضرورة المشاركة نحو البناء بأي جهد ممكن سليم .

 

   *       *       *

 

 

11- غني عن القول هنا : أن هناك فئتين حملهم الله تعالى المسؤولية العظيمة : الحكام، وأصحاب النفوذ والقرار, وهؤلاء تتجلى مسؤوليتهم في المنظور السياسي, والعلماء، وأهل الفكر، وهؤلاء تتجلى مسؤوليتهم في البيان، والتوجيه، والتصحيح، وضبط المسار العام، والنصح .

ولا شك أنها قامت جهود مباركة من تلك الفئتين ،جهود متنوعة إغاثية وإرشادية ودبلوماسية وغيرها ، حقها أن تشكر، ويدعى لأصحابها، وألا تغمط وتهمش، ولو كانت لم تصل عند بعضهم للطموح المنشود، ولكنها خطوات إيجابية , نأمل المزيد والمزيد منها للقيام بالواجب، وكما يشار إليه هنا :-

أ- ضرورة المناصحة بالتي هي أحسن، والاستمرار في ذلك , فهذا من مقتضيات النصح لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

ب- الكف عن التلاوم، الذي لا ينتج إلا سلبيات تتراكم، وهذا لا يعني : عدم النقد الهادف .

ج- تشجيع الخطوات الإيجابية، وطلب المزيد منها.

د- تقديم الدراسات النافعة لأصحاب القرار، أيا كانت مواقعهم .

 

   *       *       *

 

 

12 – ومن نافلة القول: أن جهوداً ظاهرة وخفية برزت في هذا الحدث : أدعية ربانية في القنوت بخشوع ظاهر , وأدعية الصلوات والخلوات , وكذا تبرعات سخية على مستوى الدول والشعوب . وإغاثات طبية , وإسهامات أطباء , وتفاعل جمهوري , وغضب عالمي , وجهود إعلامية لم تكن مسبوقة , ونصائح من هنا وهناك، وغيرها مما يصعب حصره , والمقام هنا لأن يشار إلى ما يلي :

أ- الدعاء الأوفى من الجميع للجميع، على ما قاموا به من جهود، وبخاصة في ظهر الغيب

ب- شكر هذه الجهود وتثمينها , وعدم الإقلال من شأنها، كما هو حاصل على ألسنة البعض : ( ماذا عملنا ؟ ماذا قدمنا ). بل أقول قدَّم –ولله الحمد- كثير، فلا يكون الهم التلاوم والتثبيط .

ج- التناصح فيما يقع ووقع من الأخطاء

د- الحث على استمرار الجهود لما فيه صلاح الجميع .

هـ  - احتساب الأجر عند الله في هذه الجهود .

 

   *       *       *

 

 

13- وإن كان من الواجب تثمين تلك الجهود العظيمة، فمن الواجب استشعار حالة المرابطين هناك من جميع الفئات، دون حصر القضية في فئة واحدة , فهم الذين في الواجهة , فيتوجب لهما الدعاء، والدعم بكل أنواعه ووسائله، والنصح، كل بحسبه , كان الله تعالى في عونهم، وسددهم ونصرهم وأيدهم.

 

   *       *       *

 

 

14- وقد وضعت الحرب أوزارها, وتوقفت مع شيء من الحذر يرد السؤال من المنتصر؟ ومن المهزوم ؟ ومن الكاسب؟ ومن الخاسر ؟

إن من الاستعجال الإجابة المطلقة بانتصار أو هزيمة , وإن كانت الآمال قد تتغلب على الآلام , ولكن من الخير والحكمة أن نقف مع عدة نقاط تعين على التبصر في تحسب العواقب ومنها :-

 

أ – أننا نسأل الله تعالى أن يكون دحر يهود, وجعل جولتهم خاسرة، وارتدوا على أعقابهم خاسرين، من غير أن يحققوا جميع أهدافهم .

ب- أن للنصر مفاهيم متعددة، أو قل : صورا متنوعة , وليست صورة واحدة . ورأس التقسيم أن النصر لما يراد له في الآخرة. وهذا نحتسب على الله تعالى أن يكون حصل لإخواننا شهداء وأحياء, ونصر آخر لما يراد في الدنيا، وهذا هو محل التفصيل.

ج- إن من الموازنات الجيدة حصر المكاسب بالتفصيل، والخسائر المادية، والمعنوية، وإظهار ذلك ليعين على تبصر الرؤى المستقبلية من أصحاب الشأن .

د- وفي الموازنات أيضا: إبراز تكافؤ الطرفين.

وللنظر في هذين الأمرين يدرك المتأمل أن سفينة النصر الكلية حصلت لعباده المرابطين من عدة أمور :-

- قوة معنويات هؤلاء رغم عمق الجراح .

- أنهم مظلمون، والمظلوم منتصر.

- أنهم - ونحسبهم كذلك- من أهل الركوع والسجود، والله لا يخيب رجاء الراجين،

- أنهم صامدون رغم هول ما أتاهم من الجو، والبحر، والبر، مما لا يستطيع المشاهد أن يشاهده، وغيرها.

هـ- ومن الموازنات: إدراك حالة اليهود، فلا شك أنهم حققوا شيئا من أهدافهم ومنها: القتل لجميع الفئات , والتدمير للممتلكات , وتخريب الديار , والقضاء على كثير من المزارع، والمنشآت، ودور العلم، والعبادة .

هذا جزء من أهدافهم : تحقق شيء منه .

وهذا ما ذكره الله - جل وعلا- في كتابه , بل فعلوه مع أنفسهم لما أخرجهم النبي - صلى الله عليه وسلم- من المدينة : ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) لكن المطلوب : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .

أما أهدافهم: في القضاء على فلسطين، أو أهلها، أو على حزب معين، أو جث جذور المقاومة، فأنَّى لهم؛ لأن حكمة الله تعالى وسنته جارية في استمرار الصراع .

و- ليس المهم – مع أهميته – إظهار علامات النصر، بقدر أهمية منهج التعامل في المستقبل الذي يتطلب برنامجاً دقيقاً لإخواننا هناك , وهذا يجعلنا أن نقول نقاطا سريعة :-

- حمدا لله وشكره على ما حصل .

- الترحم على الموتى، وسؤال الله احتسابهم شهداء.

- العمل الجاد على رأب الصدع الذي حدث في البنية التحتية.

- اللجوء إلى الله - سبحانه وتعالى-، وسؤاله بيان الحق، والعمل به .

- العمل الجاد على مواساة الأرامل واليتامى ، وعامة المصابين .

- ترتيب الأولويات.

- تغليب المصالح العامة على مصلحة حزب أو فرقة.

- تقدير الإيجابيات لما حصل والسلبيات.

- المصارحة للذات والمكاشفة الهادئة لمعالجة الأخطاء, فالله سبحانه بيّن بعض أخطاء الصحابة في غزوة أحد، مع أنه – سبحانه- نصرهم في النهاية, واعتبرت الغزوة انتصاراً عظيماًً.

- التوبة إلى الله تعالى مما وقع مما هو عمداً وخطأ.

- التنازل لأجل الاجتماع، ولم الصف، وتوحيد الكلمة، خير من الإصرار على الرأي.

 

   *       *       *

 

وبعد فالسفينة بكاملها حققت انتصاراً عاماً في هذه الجولة، لكن هذه الجولة حلقة في سلسلة صراع مع اليهود الذي لا ينتهي إلا بعد أن ينطق الحجر والشجر: يا مسلم، ورائي يهودي تعال فاقتله. إلا شجر الغرقد.

   وهذ لا يعني أن يكون هناك جولات بعيدة الأمد تحمل هدوءاً وهدنة... إلخ.

 

   *       *       *

 

 

15- وأخيراً وليس آخراً: إن من الخير بيان محاذير وقع بعض منها مثل:

أ- الاستعجال, سواء كان في الأعمال أو في طلب النتائج, أو في الحكم على الأشياء, وهو بهذا يعتبر آفة من الآفات التي تقضي على الوصول إلى الأهداف المنشودة.

ب- الأحكام المطلقة العامة, مثل: (أين العلماء لم يعملوا شيئاً؟), (ما هو دورنا أنقف عند الدعاء فحسب؟), ونحوها، وهذه الأحكام من شأنها التحطيم, وإلغاء الأولوية الإيجابية, وعدم تصحيح الأخطاء الحقيقية, بالإضافة إلى ما فيها من الظلم والتعدي، واحتقار جهود تحتسب عند الله أنها عظيمة.

ج- الفتاوى الفردية غير المدلّلة شرعاً, والتي من شأنها أن تربك الصف, وتقسم الناس, وتزرع الفرقة, وتضر بآخرين.

د- التلاوم, ووضع اللوم على أشخاص, أو جهة ونحو ذلك وتحميله أوزار هذا الغزو, دون استصحاب كلمة حق في اليهود, وهذا من شأنه: تزكية اليهود, وهذا خطر جداً على معتقد الإنسان, كما أن من شأنه: إبعاد القضية عن واقعها الحقيقي, وتلبيس الحقائق, والدخول في دوائر لا تنتهي.

هـ - التهوين من شأن الجهود المبذولة أياً كان نوعها, ومثل من يرى هذا التهوين يبقى محلقاً في مثالية لا يصل إليها ولو بخياله, وهذا خطير أيضاً لوقوعه في جهل واضح في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي كان كثير من صحابته - رضوان الله عليهم- يسهمون بالمد والصاع وغيره, ويبارك ذلك - عليه الصلاة والسلام-.

و- رفع شأن مقالات المرجفين, أو التأثر بها وترديدها, وهذا فيه إشاعة للمنكر, وإخبات للحق، ومع أن هؤلاء المرجفين وجدوا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم – كما سبق – فلا يستغرب وجودهم في مثل هذه الأحوال.

ز- المطالبات لما يُعلم أنه غير ممكن, والتحسر على عدم الاستجابة, وهذا من شأنه أن يحبط الأعمال الممكنة الكثيرة ، فعلى الفرد والمؤسسة والجمعيات والمجتمع أن يعملوا بالممكن والمستطاع, و (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

ح- التوتر، والحنق، والضيق، وعدم الهدوء في النظر للأشياء, ولهذه القضية بالذات, والتحسر المقعد عن العمل, ولا يعني هذا عدم الحزن على ما حصل من كثرة الوفيات، والجرحى، وإهلاك الموارد والمقدرات, بل الحزن فطرة فطرها الله تعالى في الخلق عند فقد محبوب, أو حصول مكروه, لكن أن يصل إلى اتخاذ مواقف مبنية على هذا التوتر فهذا بعيد عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي كان يتمتع بالهدوء والتفاؤل في أحلك الظروف.

ط- المبالغة في تكبير بعض المكتسبات دون وضعها في الميزان الحقيقي, أو الضد أيضاً وهو التهوين في تصغير بعض الخسائر كالذي  يهون من شأن الموتى أو الجرحى ونحو ذلك, ومن الخير وضع الأشياء في موضعها؛لأن هذا هو الذي يعطي السلامة للرؤية المستقبلية .

ي- حصر نصرة القضية في أمر واحد كمن قال أو يقول: (إذا لم يفتح المجال للجهاد فلا فائدة من ذلك), ويلغي شأن الدعاء والجهود الإغاثية والطبية والإعلامية, والنصح, وغير ذلك فهذا من شأنه التضييق في الأحكام والمجالات وهو منهي عنه.

ك – ومن ذلك التوقف عن نصرة القضية عند توقف الحرب المعلنة، وهذا لا شك أنه من التخاذل الذي يقضي على القضية مع الأمد, وهو خلاف سنة الله تعالى في وجوب استمرار العمل الصالح.

ل – ومن أعظم المحاذير جرأة بعض الشباب على التعدي في المواقف كمن يقول: لا يجوز الدعاء لفرقة معينة، أو يلمح في كلامه بأن البعض من هناك كاليهود، والنصارى، أو أشد منهم, نعم هؤلاء قلة بل ندرة لكن بما أنه وقع فينبه عليه.

وغير ذلك من المحاذير التي يدركها العاقل فالحذر من الوقوع فيها وأمثالها، فإن  عظم الأحداث قد تجعل أمام البصر والبصائر غشاوة.

 

   *       *       *

 

 

16- ولعل من الختام لهذه الكلمات إحسانها، ومن الإحسان:

أ- التذكير بأهمية المراجعة، والتقويم، والمصارحة، والمكاشفة للنفس, ومن ثم التصحيح, وبناء الخطط المستقبلية في ضوء هذا التصحيح؛ لينتقل الناس إلى مواصلة البناء، والتربية، والإعداد الإيماني، وزرع القيم العظيمة, وهذا ليس للفلسطينيين فحسب؛ بل لعامة المسلمين في كل مكان.

ب- الإلحاح على الله - جل وعلا- بالدعاء الصادق للموتى بأن يحتسبهم - جل وعلا- شهداء عنده, وللجرحى, وللأيتام , والأرامل, للضعفاء, والفقراء, وعامة المصابين, والمقاومين، وغيرهم, فأمام المسلمين برنامج طويل, فالواجب ألا يتوقف الدعاء والصدق فيه.

 

   *       *       *

 

هذه كلمات وتأملات أعلم يقيناً أنها لا يغيب أكثرها عن الإخوة في فلسطين، وفي غير فلسطين ولكنها شيء مما يختلج في الصدر, وهي من الذكرى, والتناصح, (وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين), و(سيذكر من يخشى) مع شعور الكاتب وموقع شبكة السنة النبوية بالتقصير في هذه القضية وغيرها.

 

نسأل الله تعالى أن يثيب على الصواب, وأن يعفوا عن الخطأ والزلل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه, وأن يجعل هذا الحدث نصراً عظيماً لفلسطين خاصة, وللمسلمين عامة, وأن يدمر اليهود, وأعوانهم , ويرد كيدهم في نحورهم, وأن يجعل تدميرهم في تدبيرهم, وأن يبطل خططهم, ويفشل مساعيهم, وأن يجعلهم عبرة للعالمين, ويفرق كلمتهم, وأن يعلي -سبحانه- دينه، وينصر من نصر دينه, وأن يرحم الموتى ، ويحسن العزاء في ذويهم, ويرزقهم الصبر والاحتساب , وأن يشفي الجرحى والمرضى, وأن ييسر أرزاقهم، وأقواتهم، ودواءهم، ومقدرات حياتهم, وأن يقوي ضعفهم, ويسخر لهم من هو أقوى منهم, وألا يكلهم إلى أنفسهم، ولا إلى أحد سواه طرفة عين, وأن يجعل العاقبة لهم, وأن يجزي خير الجزاء من دعا لهم، وعاونهم مادياً، ومعنويا، وإعلامياً، وصحياً، وغيرها، حكومات، وشعوباً, وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين