بحث عن بحث

المبادرة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

فمن فضل الله سبحانه وتعالى أن جعلنا آخر الأمم في الدنيا وأولها في الآخرة ، وفضلنا على سائر الأمم بأن بعث إلينا أفضل رسله ، وخاتم أنبيائه ، وأنزل عليه أفضل كتبه ، فهو عليه الصلاة والسلام : ( لاينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) فله الحمد والمنة على هذه النعمة وسائر النعم التي لا تعد ولا تحصى .

ونقف في هذه الوقفة مع درس عملي يمليه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله ، وهذا الدرس نستنبطه من أحاديث كثيرة ، منها قوله عليه الصلاة والسلام : ( بادروا بالأعمال سبعاً ) وفي رواية ( ستاً ) والذي يعنينا في هذا الدرس : المبادرة ، وتربية الأمة عليها : المبادرة تعني المسابقة والمسارعة للأعمال الإيجابية النافعة مهما كان حجمها صغيرة أو كبيرة ، ومهما كان أثرها على الإنسان المبادر أو على غيره .

المبادرة تعني أن أسجل مشروعاً في أي باب من الأبواب الدينية أو الدنيوية إذا كانت نافعة وليس فيها محظور شرعي ، وهنا لفته مهمة ، وهي أن بعض الناس يظن عندما نتحدث  عن المبادرة أننا نقصد المشاريع الكبرى فيما يعتقده بينما المقصود أن تبادر إلى أي عمل إيجابي ، لنقرأ قوله عليه الصلاة والسلام : ( خير العمل أدومه وإن قل ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ركعتا الفجر -  والمقصود النافلة -  خير من الدنيا وما فيها ) فالمهم وجود العمل والمداومة عليه وسيظهر أثر ذلك لا محالة سواءً كان في الجانب الإيجابي أو السلبي ، يقرر ذلك ربنا جل وعلا بقوله : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) وفي الجانب الإيجابي أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ) وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن ، سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ) .

وفي الجانب الإيجابي نحو التعامل مع الآخرين ونفعهم : ( خير الناس أنفعهم للناس ) .

كل هذه النصوص تكرس مبدأ المبادرة نحو الأعمال الإيجابية ، التي تقتضي أن يجعل المسلم هذا المبدأ من أعظم المباديء المنهجية الكبرى في حياته .

هب أخي القارىء أن الأسرة بكامل أفرادها كانوا مبادرين كل في مجال من المجالات العبادية أو الأسرية أو نفع الآخرين فما المتصور أن تكون هذه الأسرة ؟ وكم يكون نفعها؟ وخيرها على نفسها وعلى الآخرين ، فما بالكم إذا فعل هذا المبدأ في المجتمع كله ، وأصبح ينبض بهذا المبدأ ، فهل سيوجد فقير ، أو عاطل ، أو متكاسل ، أو خارجاً عن المألوف ، أو متحدياً لمجتمعه ، أو عنصر فساد .

نعم تقتضي حكمة الله تعالى أن يوجد هؤلاء لينشط أولئك ويكونون على مستوى التحدي نحو المباردات الإيجابية الكبرى .

ومن السلبية أن ننظر إلى ذواتنا بسلبية فيؤثر الشيطان على ما لدينا من القدرات والإبداعات فنحجم عن المبادرة نحو الخير والفضيلة والنفع العام .

ومن الخير أن ينظر الإنسان إلى نفسه ويفعّل ما لديه من قدرات وإمكانات فيبادر لعمل أي مشروع ويداوم عليه ، فقد سبق قوله عليه الصلاة والسلام : ( خير العمل أدومه وإن قل ) فلا تحقرن نفسك ، وبادر ، ولتكن مبادرتك في جوانب عدة و منها:

- الجانب الفردي الخاص بك ، عبادة وتقرباً إلى الله .

-  والجانب الأسري في تلاحمها وترابطها وتربيتها .

-  والجانب المجتمعي في عمل من الأعمال التي يتعدى نفعها .

 فإن لم تستطع فمبادرتك بدعائك للمبادرين بالتوفيق والتسديد ، والعون والتأييد ، فإن لم تستطع هذا ولا ذاك فكف شرك عن الناس فهو صدقة منك على نفسك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .

*   *   *

ونحن نعيش في إجازة يتطلع إليها الجميع ، ويأملون الإفادة منها فاجعل لنفسك مبادرة خيّره مع نفسك وأسرتك ومجتمعك ، وليكن حاضراً في ذهنك أننا نستقبل في الأيام القريبة شهر رمضان المبارك الذي هو ميدان المباردين ، ومنحة رب العالمين للمسلمين ، ومدرسة للصالحين ، وفيه مساحة للمتأخرين بأن يلحقوا بركب المتقدمين، فأروا الله تعالى من أنفسكم خيراً وأعدوا العدة ، وجدوا في التخطيط والتنفيذ ، والعزم والارادة ، وبادروا ثم بادروا .

والله ولي المبادرين للخير

وفقني الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.