بحث عن بحث

 

الإنسان: أساس البناء (1-2)

الإنسان هو المستهدف في هذه الحياة، وهو المنوط به التكليف.

والإنسان هو الذي وجهت إليه عمارة الكون، وهو الذي بتفاعله تسير حركة الكون سيرها الإيجابي لتحقيق ما خلق من أجله ليستخرج من خلالها كنوز الأرض ويستكشف ما أودعه الباري فيها من عجائب، فيسعى في عمارتها.

من هنا، نحن أحوج ما نكون لاستحضار هذه الحقيقة وتفعليها في الواقع العملي لتتسق حركة الإنسان مع حركة الكون.

فجوهر الحياة، وسرّ حركتها الحياة هو الإنسان، فإذا صلح صلحت مرافق الحياة جميعها، وإذا فسد فسدت الحياة ومرافقها، ولذا؛ جاء الأمر بإصلاحه، ومعالجة فساده.

ومن هنا كان ضرورة أن تكون الخطوة الأولى نحو البناء هو العناية بالإنسان ورعايته منذ مراحله الأولى وفق آليات تجعله إيجابيًا وقادرًا على البناء والتغيير نحو الأفضل في كل زمان ومكان.

وفي ظل إهمال هذا العنصر وتهميشه، لن يتقدم المجتمع في خططه التنموية والإنتاجية والحضارية، ولن يصنع مستقبلاً طموحًا.

لذا، ركّز الإسلام على هذا الجانب المهم في عملية البناء والإصلاح، فقد توالت الآيات الكريمات التي تبيّن مكانة الإنسان وعلو منزلته في هذا الكون، فهذا الإنسان:

- هو الذي أكرمه الله تعالى بصريح العبارة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }(1). وهذا التكريم عام وشامل لجميع ما يتعلق بالإنسان من خصائص نفسية وفكرية وعقلية واجتماعية ومالية وغيرها.

- وهو الذي جعله الله تعالى خليفته في الأرض، قال جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }(2) .

وغيرها من النصوص الشرعية التي تقرّر أهمية الإنسان وعلو منزلته بين الكائنات، والتي تجعله المحور الأساس في عملية البناء والرعاية والإصلاح، وفي فساده وإفساده يتجذر الإفساد في جميع مناحي الحياة.

لذا كان الاهتمام والعناية به وسنّ القوانين التي ترفع من شأنه وتحافظ على كرامته وكيانه لها الأولوية على سائر البرامج الأخرى في مجال البناء والتصحيح.

ولمكانة الإنسان وتميّزه على سائر الكائنات، يأتي التوجيه الرباني ليرسم مسار التربية التي ينبغي السير عليه حتى يتحقق البناء الصحيح والإصلاح المنشود، وفق سنّة ربانية واضحة لا تتبدل ولا تتغير، وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(3).

والتغيير الذي تعنيه الآية الكريمة، هو إصلاح النفس والجوارح مما تعلق بها من الخطايا والمفاسد، وتبديلها بالعمل الصالح وتحقيق العدالة ورد المظالم إلى أهلها، وبالعطاء الخيّر والبناء المشيد، وإصلاح المجتمع – عقديًا وأخلاقيًا واقتصاديًا وتربويًا وسياسيًا - ويتم ذلك وفق محورين:

المحور الأول: إصلاح الإنسان نفسه:

ولعل مما يعين على ذلك بشيء من الإيجاز:

1 – استشعار عظمة الله تعالى وقدرته في هذا الكون، إذ لا حول ولا قوة للإنسان أمام حول الله وقوته.

2 – استشعار نعم الله تعالى والشكر عليها، والنعم والآلاء لا تعد ولا تحصى، لا سيما في هذا العصر الذي تنوعت وتعددت وظهرت بأشكال واضحة، ومن أهم صور الشكر وأشكاله هو الاستجابة لأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، وتسخير نعمه وآلائه في سبل الخير والبناء والإصلاح، واستثمارها في هذا السبيل.

3 – تزكية النفس وتدريبها على التعلق بالله وحب الآخرين وتمني الخير لهم، وتطهيرها من الحقد والحسد والضغينة، سواء في الأمور المالية، أو العلمية، أو الاجتماعية، أو الوظيفية، أوغيرها. قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (4).

4 – الإخلاص في العمل، فهو الأصل الذي يُبنى عليه سلامة المنتج والابتكار في التخصصات المختلفة، فإذا أخلص كل فرد في عمله وبذل جلّ طاقاته في المهام الموكلة إليه، تغيّرت المعالم الفاسدة من الغش والتزوير والتدليس والرشوة والإهمال وقلة الإنتاج إلى الأمانة والاستقامة وجودة في الإنتاج والبذل والعطاء ونشر الفضيلة والمعاني السامية وغيرها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"(5).

5 - ترك الماضي السلبي، وعدم العودة إليه، والإقبال على العمل في الحاضر بآليات وإمكانات مشروعة، ليتحقق المستقبل المشرق للفرد والمجتمع والأمة، كل بحسبه.

6 – استشعار المسؤولية المنوطة بالإنسان، نحو نفسه ومن يوليهم من الأهل والأولاد والبنات والأرحام والمجتمع والعمل والوظيفة والمهنة وغيرهم، لقوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(6)، وقوله عليه الصلاة والسلام: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

6 – مراقبة الله تعالى، ومحاسبة النفس على خطيئاتها، من أجل تقويم العمل وتصحيحه، قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(7).

وللحديث بقية.



(1) سورة الإسراء, الآية 70.

(2) سورة البقرة، الآية 30.

(3) سورة الرعد، الآية 11.

(4) سورة الشمس، الآيات 7-10.

(5) رواه البيهقي في شعب الإيمان 4/ 334، برقم (5312) وحسّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (1880).

(6) سورة التحريم، الآية 6.

(7) سورة ق، الآية 18.