بحث عن بحث

الإنسان: أساس البناء (2-2)

                                           

 

المحور الثاني: استصلاح الإنسان:

 

مما يجلي الحقيقة غير القابلة للجدل هو أن الإنسان المحور الأساس في هذه الحياة لاستصلاحه، ليبقى هو المتفاعل المنتج المستثمر لكل العوامل والمعطيات المسخرة له في هذا الكون، فيتقدم بمنتجه نحو الرقي بالكمال البشري المنشود بقدر ما يستطيع، وبمختلف جوانب الحياة.

هذا يفرض علينا إشارات تضيء الدرب لناشد الحق، وطالب الإيجابية والبناء والإصلاح:

الإشارة الأولى: أعتقد أن الحاجة إلى إظهار هذه الحقيقة وهي – محور الإصلاح والبناء هو الإنسان – ونشرها ثقافة عامة من أولى المهمات التي تتطلب استنباطًا قرآنيًا، وربطها بالسنن الإلهية، ومن أهمها:

أن الكون متحرك، والإنسان يجب أن يكون متحركًا ليتوافقا، فالحركة الإيجابية تثمر المنتج المطلوب، وعكسه بعكسه.

الإشارة الثانية: رسم الأهداف وفق هذا المنظور، وأجد فرقًا كبيرًا بين أن يكون الهدف لذات العمل فحسب، وبين أن يكون الهدف متسقًا مع حركة الكون وعمارته وتفاعل الآخرين معه، ومحققًا لطموح يصب في عملية البناء المتكاملة.

لذا نجد أننا بحاجة لإعادة النظر فيها على المستويات المختلفة، أفرادًا وأسرًا ومؤسسات وغيرها، في صياغة أعمالنا وفق هذا التصور لتحقيق الأهداف المنشودة.

الإشارة الثالثة: بناء الخطط والبرامج البناء التكاملي في جميع المراحل، ابتداء بالتخطيط، مرورًا بالبرامج والآليات ووصولاً إلى الأهداف هكذا مقتضى النظر لإصلاح الإنسان في ذاته وفيما يصلحه من عوامل أخرى.

الإشارة الرابعة: إدراك أن أعمال الإنسان من حيث هي لا تخرج عن كونها أعمالاً صالحة أو غير صالحة، أو هدرًا لا قيمة لها، ولا شك أن الثاني – في المنظور الإسلامي – مرفوض، والثالث في حكمه لأنه إهدار لقيمة الإنسان، والأول هو المطلوب.

لذا، لا بد للإنسان من تدارك الأمر لقيامة بعملية الإصلاح، وهذا الإدراك يتطلب ما يلي:

_ معرفة الإنسان لنفسه ومهمته في الحياة.

_ معرفة الإنسان لقدراته.

_  معرفة الإنسان لإمكاناته العملية.

فإذا أسقط الإنسان هذه المعرفة وفق عملية تراكمية، فإن العمل يخرج صالحًا ومنتجًا.

الإشارة الخامسة: إن من أهم ما علمنا الإسلام هو القياس والتقويم من خلال عوامل القياس ا لمختلفة، وبلا شك أن هذا يتطلب:

_ وجود معايير للتقويم ووضوحها.

_ الصدق مع النفس ومع الآخرين.

_ التوازن في النظرة.

_ التوازن في المنتج مع الوقت، والجهد والمال.

_ القياس ا لمقارن فيما لدى الغير.

إن انعدام القياس مآله للخطأ والهدر، بل وتراجع المنتج.

الإشارة السادسة: بناء المستقبل وفق الأهداف والخطط والقياس السابق، وبلا شك أن هذا من أهم الثمرات لكي نرقى بالمنتج الفردي والجماعي.

من المحزن كثيرًا أن هدرًا ليس بالقليل في الجهد والوقت والمال يتراكم مع السنين وكأننا ندور في دائرة لنعود للنقطة الأولى، وعند التفاؤل نجد أن المنتج لا يتوازى مع ما أهدر وبذل بنسبة عالية.

الإشارة السابعة: فتح مجال الإبداع والابتكار للإنسان، عبر الهيئات والمؤسسات التي تُعنى بالموهوبين والمتميزين والمبدعين في شتى العلوم والفنون، وتشجيعهم على الإبداع بتقديم المكافآت والجوائز القيمة لهم، وإقامة المناشط والمحاضن للشباب والفتيات، ووضع البرامج العلمية والثقافية والعملية لهم، للحفاظ على أوقاتهم والاستفادة من طاقاتهم وتوجيهها نحو البناء الصحيح، وهذا ما يحقق المصالح الدينية والاجتماعية والوطنية، والحدّ من المظاهر السلبية التي يعاني منها المجتمع في الشوارع والأسواق والمراكز العامة من جراء تصرفات وسلوكيات الشباب أحيانًا، ويعالج ما ينخر في عملية الإصلاح.

وبناء على ما سبق أعتقد أننا ممثلين بمؤسساتنا ووزاراتنا وهيئاتنا وأسرنا، وأفرادًا وجماعات، بحاجة ملحة لإعادة النظر، وبناء الأهداف والبرامج ووضوحها، وبناء الاستراتيجيات الوطنية وفق نظرة تأملية هادئة صادقة من خلال تلك الإشارات الضوئية ليحقق الفرد، والمؤسسة، والمجتمع، والوطن ما يصبو إليه، وما يتمناه، ويكون محلاً للمنافسة، مع صلابة في الأسس وثقة في المسيرة، وتحقيق شيء من الطموح وبراءة الذمة.

أحسب أن هذا من أهم الأولويات، وبخاصة في مثل هذه المرحلة الحرجة التي تتطلب سعة في النظرة، وقوة في التماسك، ومزيدًا من التلاحم، فالمنافسة قوية، والتحدي كبير.

كما أحسب أن لدينا من عوامل المنافسة والتحدي ما يجعلنا قادرين – بإذن الله – على خوضه بمستوى عال من الثقة والاطمئنان، فما قيل من إشارات لصلاح الإنسان وإصلاحه هي أوثق عرى القدرة، غير أن فيها صدقًا مع النفس لعدم انحراف المسيرة في غمرة المنافسة، وشفافية تستوجبها المرحلة، وبناءً من حيث انتهينا، واستفادة من الآخرين من حيث انتهوا، وواقعية غير مثالية في التقويم، ومحاولة لتجديد العوامل الإيجابية وتفعيلها.

وهذه العوامل تجعلني أشير إلى بعض مما يعكر صفوها ويقلل من صلاح المنتج، وهي من عوامل الفساد الذي يُشتكى منه كثيرًا، ومن ذلك:

_ جعل الأولويات في التخطيط والبناء على أشياء كمالية لا ضير في تأخيرها، وجعلها في المكان اللائق بها.

_ ويدخل في ذلك عدم ترتيب الأولويات الكبرى، وأعتقد أن إصلاح المعتقدات والأخلاق والسلوك والأمن والتعليم والصحة والعمل، من أكبر المهمات حتى على المستوى الفردي.

فإذا وجدت هذه العناصر، فالبناء سليم، لكنّا عند إمعان النظر في بعض أحوالنا نجد تأخرًا كبيرًا في المنتج، انعكس على كثيرين فوجدت نقاط فراغ تحتاج إلى إعادة نظر جاد. ومن الأمثلة على ذلك:

_ عدم التوازن والتكامل في البرامج بين واجبات الفرد، والأسرة والمجتمع، فلو أخذنا عينة عشوائية لمشكلة الإرهاب أو المخدرات أو السرقة، أو حتى خلط المفاهيم ونحوها، لوجدنا أن من أهم عوامل نشرها فقدان التكامل بين رب الأسرة، وأعضائها، في برامج بعضهم البعض، أو في أعمالهم، ومع ما تقوم به المؤسسات المعنية، فيطغى عليهم عمل دون آخر أنتج فراغًا أوقع هذا الشاب في تلك المشكلة.

وكما يقع هذا في الأسرة يقع أحيانًا في مؤسسات المجتمع، فلم يتكامل بناء برامجها، فأحدث فراغًا أضعف المنتج، ومن أوضح الأمثلة، الاهتمام بالتعليم دون التربية، أو على حساب العمل، أو الصحة، وغيرها كثير.

_ ومن ذلك ضبابية الأهداف أثناء الأعمال، فالمهم أن أقدّم منتجًا، لكن هل هذا المنتج يصب في (صلاح الإنسان وإصلاحه) أولاً؟ هذا ما تفتقده بعض المؤسسات.

_ التركيز على الإصلاح في جوانب الحياة – ولا شك أنه أمر مطلوب، بل في غاية الأهمية – لكن الأهم إصلاح الإنسان ذاته عقديًا وأخلاقيًا، فإهمال هذا الجانب أدى إلى فساد جوانب من الحياة وبرامجها. فالمسؤول عن الغش والتزوير والرشوة وإهمال المسؤوليات وهدر الأموال والأوقات والظلم والتعامل مع المحرمات الشرعية، وغيرها، هو الإنسان. وأحسب أن هذا من أكبر الأخطاء التي تقع فيها المؤسسات والأسر.

أعود لأقول: إن أمة لا ترسم أهدافها واستراتيجياتها، ولا تبني خططها، وبرامجها على هذا الهدف الذي خلق الله الخلق من أجله أمة لن تكون محلاً لمنافسة الأمم، وتكون تابعة لغيرها لتستورد حتى مبادئها.

أزعم أننا في وقت لدينا من عناصر المنافسة ما يؤهلنا وبجدارة لمعالجة أخطاء الإنسان ولتحقيق هذه المنافسة ابتداء بوضوح هذا الهدف الكبير المؤسس من القرآن الكريم والسنة المشرفة، كما سبق لنحقق قوله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (1)  .

إن تلك مهمة عظيمة وكبيرة وشريفة، استدعت بعث الرسل وإنزال الكتب لإجلائها وتوضيحها، وإعمال الفكر لبيان عظمها وسموها، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )(2) ، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ )(3) .

وكما تقع هذه المسؤولية على المجتمع فهي تنطلق من الأفراد.

حقق الله الآمال وسدد الخطى

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


(1)  سورة هود، الآية 88.

(2)  سورة الذاريات، الآية 56.

(3)  سورة النحل، الآية 36.