بحث عن بحث

 

عثرات الطريق

2- المنجيات

 

في المقالة السابقة كان الحديث عن قضية مهمة وهي عثرات الطريق للمسلم بنوعيها : المؤخر للأعمال والإنتاج ، والمحبط لها إحباطاً كلياً ، وضُرب لذلك أمثلة لكلا النوعين على سبيل التمثيل لا الحصر .

وفي هذه المقالة أشير إلى ما يقي من الوقوع في هذه العثرات ، وما ينجي منها عند الوقوع فيها – لا قدر الله -  وأيضاً ما أذكره هنا على سبيل التمثيل لا الحصر ، ومن ذلكم :

1- حسن التصور للدين ، والتكليف به ، وعظم الأثر لذلك في الدنيا والآخرة ، فإذا تصور المسلم أثر الشهادتين ، فلن يتردد في ذكر الله تعالى فيهما ، وكذلك الصلوات و الزكوات وغيرهما من الواجبات ، وهذا يدعو المسلم إلى تعلم ذلك ليزداد يقينه ، ومن هنا كان العلماء هم أكثر الناس خشية لله سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر:28]

2- الأعمال القلبية والاهتمام بها كالإخلاص والخشية ، والرجاء ، والمحبة ، وتعظيم الله سبحانه ، وأمثالها مما يعطي القلب قوة نحو عمل الطاعات والقربات ، والحذر من القرب من حدود الله جل وعلا ، وهذا يدعو المسلم – أيضاً – إلى ضرورة تصورها والعمل بها .

3- العمل بالفرائض ، وعظم الوقوف عندها ، والاهتمام بها ومن أهمها : الصلوات الخمس ، وبقية أركان الإسلام ، وغيرها من الواجبات ، وهي من أعظم محبوبات الله تعالى كما جاء في الحديث القدسي : ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بشيء من النوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به .. ) الحديث [صحيح البخاري برقم: 6502] ، وهذا يقي بإذن الله من الوقوع في تلك المهلكات .

4- الحرص على صواب العمل بالاقتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم فالتأسي به ، والعمل بمنهجه ، رادع من الزلل ، غلواً أو تقصيراً ، والوقوف عند هذا المنهج القويم ، يقول عليه الصلاة والسلام في شأن الصلاة: (صلوا كما رأيتموني أصلي) [صحيح البخاري برقم:631] وفي النهي عن التجاوز يقول عليه الصلاة والسلام : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) [صحيح البخاري برقم: 2697 وصحيح مسلم برقم: 1718] ، وهذا المعنى الكبير من أقوى ما تسد به منافذ الشيطان .

5- من المهم أن يضع المسلم لنفسه أعمالاً صالحة لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى، ويجتهد فيها حتى تمحص نفسه من كل ما يعكر صفو القلب ، وسلامته وتصفيته من شوائب الرياء والسمعة وطلب الدنيا، وقد جاء الحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله .. وذكر منهم : ورجل تصدق بصدقة لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) [صحيح البخاري برقم: 660 وصحيح مسلم برقم: 1031] وبلا شك أن خفاء العمل والاستمرار في ذلك يعين أيضاً على قوة القلب ، وتعلقه بالمولى ، ويسد على الشيطان المنافذ.

6- إلزام النفس بأعمال اليوم والليلة، و أعمال الأسبوع، والشهر والسنة، مثل: الواجبات كالصلوات، وفي الأسبوع : كصلاة الجمعة ، وفي السنة : صيام رمضان ، ويضع لنفسه حداً أدنى من المستحبات : ففي اليوم والليلة : السنة الراتبة ، والوتر ، ومن الأذكار : أذكار الصباح والمساء ، وفي العلاقات : بر الوالدين وصلة الرحم ، ومن له حق ، وفي الأسبوع : صدقة الأسبوع ، وفي شهر رمضان له برنامجه الخاص ، وهكذا .

إن هذا الإلزام كفيل بإذن الله أن يسهل الأعمال على صاحبها ، ومع الاستمرار لا يتركها ، ويكتب له أجرها حال السفر والمرض والانشغال ، وتستمر له بعد حياته ، وتقيه عثرات الطريق .

7- اللجوء إلى المولى دائماً وأبداً ، وأخص بالذكر :

-        القرآن الكريم ، فيكون له نصيب يومي لا يتنازل عنه .

-        الذكر ، فيكون له حد أدنى لا يقصر فيه .

-       الدعاء باستمرار ، ولا يمل من ذلك .

فمن وصل الله ، وصله الله ، ومن حفظ الله ، حفظه الله ، كما جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) [سنن الترمذي برقم: 2516]  وفي رواية ( تعرّف على الله في الرخاء ، يعرفك في الشدة ) الحديث [مسند أحمد برقم: 2800] .

هذا اللجوء المستمر يجعل العبد في حفظ الله ، ورعايته ، ومعيّته ، وحمايته ، كما قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه وهما في الغار : ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) [صحيح البخاري برقم: 4663 وصحيح مسلم برقم:2381]، وهي أكبر نعمه ومنحة لمن حافظ على ذلك .

8- محبة الآخرين ، وحب الخير لهم ، وعدم تمني الشر لهم مهما كانت علاقته بهم ، فلا تقتصر محبته على المحبين له ، بل لعامة المسلمين ، وقد بُعث عليه الصلاة والسلام لإشاعة هذه المعاني العظيمة كما في قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) [الأنبياء: 107] والرحمة من مقتضيات المحبة ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان .. وذكر منهم : وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ) [صحيح البخاري برقم: 16 وصحيح مسلم برقم: 43] وهذه المحبة تسد باب الحسد والحقد والضغينة ، والكره والبغض ، وإذا سد المسلم عن قلبه هذه الأمراض حُمي بإذن الله من عثرات الطريق المهلكة والمزعجة .

9- العيش في هذه الدنيا بالتفاؤل في كل خير ، وطرد اليأس والقنوط ، فيستبشر بما عمل من الخير ، ويستبشر بكل ما يحصل له ، ولو كان في ظاهره أنه شر ، ويستبشر حتى في حال المحن والشدائد ، فاليأس والقنوط من سلاح الشيطان الذي يتسلل منه إلى القلوب ، ويقعد عن العمل ، وينظر إلى النتائج السلبية ، ولذلك جاء الحث على التفاؤل والنظر إلى المستقبل بعين الفرح ، وسد باب اليأس حتى لا يقع المسلم فريسة للشيطان ، فيتعثر في طريقه وربما يبعده عن كل خير .

10- ألا تدع يوماً إلا وقد عملت جديداً فإنك إن لم تتقدم ستقف ، وإن وقفت ستكون عرضة للسقوط ، أو التأخر ، والكون كله مبني على الحركة ، فإن لم تتحرك تحرك الشيطان ضدك ، فيقعدك ومن ثم تقع في المحظور.

إن معرفة عثرات الطريق ، ومعرفة الوقاية منها قبل وقوعها ، وعلاجها بعد وقوعها كفيل بإذن الله للثبات والمواصلة والاستمرار على سلامة الطريق حتى يلقى العبد ربه بذلك ، ثبتني الله وإياكم على قوله الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

 

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم