بحث عن بحث

 

في مفترق الطرق (1-4)

 

 

 

إن حركة الإنسان في حالة تغيّر وتحوّل مستمرين، بسبب ظهور مستجدات وتطورات مع مرور الزمن، ووفق هذه السنة الكونية فإن كثيرًا من المفاهيم والتصورات تتغير وتتبدل لدى الشعوب والأمم، حسب رصيدهم من العقيدة والعلم، والتجربة والخبرة، فمن الناس من يأخذه التطور والتجدد إلى الانحراف، ومنهم من يستغل ذلك ضمن عقائده ومفاهيمه الثابتة ليستفيد من المستجدات ضمن إطار عقيدته ومبادئه وتصوراته الثابتة، فيسعد بها نفسه ومجتمعه وأمته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا"، وقال أيضًا: " يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر" (1)

إن هذا المفترق من المعالم المهمة في تاريخ الإنسان، لأن مسار تقدمه وحضارته مرتبط به ارتباطًا وثيقًا، من أجل ذلك اعتنى به الإسلام عناية كبيرة، وتطرق إليه كثير من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية واجتهاد أهل العلم في العصور المختلفة.

وجاءت التوجيهات الشرعية الكثيرة للمؤمن باقتفاء منهجية واضحة المعالم للتعامل مع هذا المحرك للمسار من أجل أن يحافظ على الأصول الثابتة في الدين من جهة، ومن جهة أخرى فتح باب الاجتهاد وإعمال العقل في المستجدات التي لم يرد فيها نص شرعي صريح ضمن قواعد ثابتة راسخة، وهذا ما أعطى التشريع الإسلامي المرونة في التعامل مع الأحداث في كل زمان ومكان بصورة إيجابية تتحقق معه المصلحة على المستويات المختلفة، وهو ما سمّاه أهل العلم بالمصالح المرسلة.

ظواهر:

ولمعرفة المراد، وتشخيص الحالة، ثمة مجموعة من الظواهر التي تضع الإنسان على مفترق الطرق في هذا العصر، نتيجة انفتاح العالم على بعضه عبر وسائل الاتصال المختلفة، وخاصة الانترنت والفضائيات، فتداخلت الثقافات والأفكار، وتنافست المذاهب والأديان، مما تسبب في حدوث ظواهر خطيرة على كيان الأمة واستقرارها، ومن تلك الظواهر:

- حدوث خلخلة في المفاهيم والأفكار لدى كثير من المسلمين، بل وكثير من النخب العلمية على أفكارهم السابقة، والتي كانت تعدّ بمثابة ثوابت شرعية لا يمكن تبديلها.

- تغيير الرؤية الشرعية لدى البعض نحو الفرق الباطلة والمذاهب المنحرفة، حتى يظن أن ليست فوارق بينها وبين المنهج الصحيح، رغم مخالفتها لعقيدة التوحيد.

- حدث تغيير في الرؤية لدى الآخرين نحو قضايا شرعية ثابتة ومسلمة مثل قضية المرأة ومكانتها ومجال عملها، وبعض الأحكام المتعلقة بها، في مسائل الحجاب، وغيرها.

- حدوث توتر أثناء طرح بعض المفاهيم، الأمر الذي أحدث خلخلة بين الناس، لأن هذه المفاهيم لم توضع تحت الضوء للبحث والدراسة تحت مظلة شرعية وعلمية موثوقة، مما أدى في بعض الأحيان إلى التشكيك في بعض المسلمات والثوابت، بل وإلى الانحراف الواضح.

- وجود قلق عند بعض التغييرات في الاجتهادات أو أحوال المجتمع وتوجس من كثير منها، مما تبحث فيه هذه الاجتهادات بنفسية قلقة متوترة.

أثر تلك الظواهر:

لقد أثر بروز تلك الظواهر على الواقع، وتسبب في كثير من المشكلات الفكرية والاجتماعية، منها:

1 – أن هذا الاضطراب في الفكر يؤدي إلى اضطراب في العقيدة الصحيحة، خاصة الشرائح الاجتماعية العامة التي ليس لديها العلم الشرعي الكافي، فتختلط عليهم الأمور في العبادات والمعاملات وغيرها، وقد ذمّ الله تعالى أهل الكتاب على ذلك فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (2)

2 – هذا الاضطراب والانقلاب الفكري قد يكون من أسباب الفسق والنفاق، فقد جاء في وصف المنافقين أنهم لا يستقرون على حق ولا يثبتون على هدى، بل يتذبذبون من فكر إلى آخر ، فقال جل وعلا: (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (3)

3 - من نتائج هذه الظواهر التشتت وعدم الاستقرار على مناحي الحياة المختلفة، الاجتماعية والمالية والسياسية، وتعرضها للتناحر والصراعات بين أبناء الأمة الواحدة، وهي مخالفة صريحة لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(4)

4 - نمو الغلو والتطرف الديني والفكري في المجتمع، والذي يؤدي إلى تكفير الناس، ومن ثم انتشار ثقافة العنف والتفجير، واستباحة الدماء والأعراض وغيرها، وهو ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا(5)، وقال عليه الصلاة والسلام: "أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" (6)

5 – فتح الأبواب للغزو الفكري الغربي والشرقي، متمثلاً بالإعلام المفتوح، وحركة التغريب، وإثارة الشبهات والأباطيل عن الإسلام وتشريعاته ورموزه.

6 – ومن الآثار هذه الظواهر، نمو المذاهب الباطلة والهدامة في المجتمعات الإسلامية، إذابة الفوارق وعدم الخصوصية.

7 – فقدان الثقة بأهل العلم، وبالتالي أخذ العلم من غير أهله، مما يتسبب ذلك في تفشي الجهل بالدين وظهور البدع والخرافات بين الناس، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تولي الجاهلين منابر العلم فقال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا"(7)

8 – الخسران في الآخرة، فقد ذكر الله تعالى مصير الذين استبدلوا المحكمات بالمتشابهات بمثابة المرأة التي نقضت غزلها بعد أن أمضت فيه وقتًا طويلا من التعب والعناء، فقال جل وعلا: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )(8)

يتبع


 


(1) أخرجه الترمذي.

(2) سورة آل عمران، الآية 71.

(3) سورة النساء، الآية 143.

(4) سورة المائدة، الآية 2.

(5) أخرجه مسلم.

(6) أخرجه البخاري.

(7) أخرجه البخاري.

(8) سورة النحل، الآية 92.