بحث عن بحث

 

في مفترق الطرق (2-4)

 

أسباب خلخلة المفاهيم:

ثمة أسباب كثيرة في خلخلة المفاهيم والانقلابات الفكرية والاجتماعية في المجتمعات المسلمة، منها:

1 – إهمال مصادر التلقي الأساسية وهي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، في التشريع والأحكام، في مجال العقيدة والحلال والحرام، ثم طلب العلم من المصادر الفرعية غير الأساسية، وقد حذّر الله تعالى من هذا النهج فقال: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (1)، وإبدالها بمصادر أخرى أو جعلها موازية لها في الحجة والتشريع.

2 – انشغال كثير من العلماء والمفكرين والمثقفين والموجهين عن الناس، وعن آمالهم وآلامهم، وعن مشكلاتهم ومعاناتهم، فلا يجتمعون بهم إلا عن بعد، عبر برنامج تلفزيوني، أو محاضرة، أو خطبة أو منتدى أو كلمة، وهذا الأمر يتسبب في فتح الأبواب للجاهلين وأصحاب الأهواء ليأخذوا مكانهم بين الناس، ويصدروا الفتاوى والأحكام من غير علم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على الاختلاط بالناس والتفاعل معهم، والصبر عليهم، فقال: "المؤمن الذين يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"(2).

3 – إهمال المؤسسات التربوية والتوجيهية والتعليمية عن أداء دورها الحقيقي، في المدارس والجامعات والمحاضن الاجتماعية، وعدم التزام بعض القائمين على هذه المؤسسات بالإخلاص والالتزام بالقوانين واللوائح، وإنما يكون التعامل مع الطلاب والطالبات بطريقة آلية بعيدة عن الاندماج معهم أو تفهّم أحوالهم ومعاناتهم، الأمر الذي يعرّض النشء لانتهاج المسالك غير السوية، واتباع الشبهات والبدع والأفكار الدخيلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(3).

4 – التطور التقني الكبير، وثورة الاتصالات التي فتحت الأبواب على مصراعيه لتداخل الثقافات وتبادل الأفكار والمذاهب بين الشعوب بشكل سريع، مما يؤدي إلى ظهور زعزعة المفاهيم والثوابت لدى كثير من طبقات المجتمع، وخاصة طبقة المجتمع الالكتروني، وعدم التعامل معها التعامل الإيجابي المفيد، فطغى التعامل السلبي.

5 – انشغال الأسرة عن أفرادها، وتركهم عرضة للمخاطر الفكرية والانحرافات الأخلاقية، بعدم الجلوس مع أبنائها لمعرفة تطلعاتهم ومشكلاتهم، والإهمال في متابعتهم ومعرفة أصحابهم وأصدقائهم، وكذلك التقصير في مدى حرصهم على الفروض والطاعات، ونحوها، الأمر الذي يعرض هؤلاء الأبناء لأية وافدة فكرية منحرفة، وبالتالي إحداث زعزعة المفاهيم والتصورات عنده.

هل وجدت هذه الظواهر في العصور السابقة:

ظهرت صور كثيرة للانقلابات الفكرية وزعزعة المفاهيم عبر التاريخ الإسلامي تسببت في مفارق طرق متعدة، نذكر منها:

أولاً: ظاهرة الغزو الفكري:

إن ظاهرة الغزو الفكري من الظواهر القديمة والحديثة، ظهرت في صدر الإسلام حين حارب المشركون عقيدة التوحيد واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم شتى الاتهامات والتي كانت بمثابة غزو فكري على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم:

- فقد شككوا ورفضوا عقيدة التوحيد، كما قال الله تعالى عنهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (4)

- جعلوا لله البنات سبحانه عما يصفون، قال الله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) (5).

- واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالشاعر المجنون، قال تعالى: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) (6).

-  وقالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ساحر، قال الله تعالى: (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ )(7).

- واتهموا عليه الصلاة والسلام بالكذب ، قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً)(8).

-  كما اتهموه عليه الصلاة والسلام في عرضه في حادثة الإفك، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(9).

-  وشككوا في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) (10)،

- وانتقصوا من قيمة رسالة الإسلام ألا تكون على رجل عظيم، قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (11).

وتوالت الاتهامات للرسالة النبوية، وتعددت أشكال الغزو في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الوحي، وفي العقيدة والعبادات وغيرها، وفي كل مرة كان الله يردّ عليهم ويدحض حججهم بالبراهين القطعية.

وبعد عصر النبوة، ظهر الغزو الفكري بصور أخرى، مثل دخول الإسرائيليات إلى السنة النبوية، وظهور بعض العقائد الدخيلة جراء ترجمة الفلسفة الإغريقية وما فيها من وثنيات ومناقشتها.

واستمرت ظاهرة الغزو الفكري عبر التاريخ الإسلامي إلى وقتنا الحالي، فقد ظهرت بصور متعددة:

-  عبر الاستعمار المباشر لبلاد المسلمين.

-  وعن طريق المستشرقين وكتاباتهم.

-  ومن خلال الحملات التنصيرية، والبعثات العلمية.

-  إلا أن أقوى صورة لظاهرة الغزو الفكري في العصر الحالي، هي وسائل الإعلام بأشكاله المختلفة، وخاصة الفضائيات وشبكات الانترنت، فقد أشغلت هذه الوسائل الأمة بسفاسف الأمور عن معاليها، وأهملت قضاياها الكبيرة، حتى اقتصر كل اهتمامها في الشكليات وإثارة الغرائز، وطرح الشبهات وغيرها.

يتبع


(1) سورة الأنعام، الآية 153.

(2) أخرجه الترمذي.

(3) أخرجه البخاري.

(4)سورة ص، الآية 5.

(5) سورة النحل، الآية 57.

(6) سورة الصافات، الآية 36.

(7) سورة يونس، الآية2.

(8) سورة الفرقان، الآية 4.

(9)سورة النور، الآية 11.

(10) سورة الفرقان، الآية 7.

(11) سورة الزخرف، الآية 31.