بحث عن بحث

 

في مفترق الطرق (4-4)

 

وسائل معينة للثبات على المنهج:

تلك مجرد أمثلة لما ورد عبر التاريخ لظاهرة خلخلة المفاهيم وزعزعتها، والتي قابلها علماء الإسلام ومفكروه بجهود عظيمة تأصيلاً وبيانًا وموافقة، وفي هذا الوقت الذي نشطت فيه هذه الظاهرة يتطلب وقفة جادة لبيان وسائل وخطوات تعين الإنسان للثبات على المنهج، وتحفظه من زعزعة المفاهيم والثوابت عنده، لعل في مقدمتها:

- تجديد الشعور الإيماني بالله سبحانه وتعالى الذي من شأنه أن يعمق مفهوم الاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (1).

هذه الاستجابة التي يمكن ترجمتها بقوله سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (2)، وبقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".

هذا الشعور الإيماني من شأنه أن ينمي الثقة في نفس المسلم ويقوي الإرادة نحو الاعتزاز بأوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما يضفى الطمأنينة على مسيرته في هذه الحياة بكافة جوانبها، ويقوي المناعة تجاه أي وافد من فكر أو ثقافة ما لم تكن منطلقة من هذا الإيمان العظيم، ومتضحة الإيجابيات.

- وثاني هذه الخطوات وضوح الرؤية تجاه الأسس والمنطلقات التي يجب أن ينطلق منها المسلم في منهجيته في هذه الحياة، وعدم الضبابية الحاجبة أو المشوشة لهذه الأسس، ومن ذلكم التصور العام تجاه قضايا الحياة كلها الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

وأحسب – هنا – أن كثيرًا من التردد، والتوتر الحاصل تجاه المتغيرات مرد كثير منه إلى هذا التشويش وإلا فلا يمكن أن يُختلف على القضايا والمسائل الكبرى التي عمل بها المسلمون منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا الحاضر.

- وثالثها: إدراك أن لهذا الدين، وبخاصة أنه دين عملي تطبيقي، قواعد وأسس سطرها علماء الإسلام تحكم منظومة الحياة كلها، وتتعامل مع القضايا الثابتة بثبوتها، ومع المتغيرات بما تحكمها هذه القواعد، وقد أبدع الأئمة، كالإمام الشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم، والقرافي وغيرهم، رحمهم الله، في إيضاحها وبيانها، مما يؤكد على مسؤولية الحاضرين بتفعيلها وإنزالها على الواقع.

- ورابعها: إيجاد الثقة بمصادر التشريع الأساسية مهما كانت العواصف تجاهها، وهما (القرآن الكريم والسنة المطهرة) فما لم يكن معتمدًا عليهما فلا يقبل، بهذا يضبط المسار، وتسد الفجوات التي يُدخل منها للشعور بالتوتر والتعلق تجاه المفاهيم الثابتة والمتغيرة.

- وخامسها: العمل الجاد من أهل العلم والفكر لإحياء المفاهيم الشرعية، وإيضاح التعامل مع المستجدات، والنوازل وبخاصة العامة التي تسبب إرباكًا وتوترًا لكثير من أبناء المسلمين وثباتهم.

ويدخل في ذلك: بيان علل الأحكام وبخاصة عندما يكون هناك تعارض في الظاهر بين ما درج العمل عليه وما عليه المستجدات، وهي قضايا كبيرة مثل قضية المرأة والتعامل معها، وإبعاد الغبش في ذلك، وكذلك قضية التعامل مع غير المسلمين، وغيرها كثير، ناهيك عما يتعلق بالقضايا الشخصية وبالأخص القضايا المالية والاجتماعية، أو ما يتعلق بالحقوق ونحوها.

- وسادسها: إدراك أن الحياة ميدان للعمل والتنافس على المستوى الفردي، أو الجماعي، أو الدولي، وهذا الميدان قابل لأي عمل وكذا إدراك أن أهم مجال في هذا الميدان هو مجال البناء، البناء الفردي، والأسري، والمجتمعي، والبناء الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والتربوي.

إن إدراك هذه الحقيقة يعطي دافعًا قويًا، وحافزًا نحو التوجه إلى هذه المنافسة الكفيلة بالتفوق في مختلف المجالات لأننا نحن المسلمين نملك تلك المقومات، فلا يبقى إلا أن نفعلها ونحيي في نفوس أبنائنا وبناتنا هذه المقومات.

وإطلالة على التاريخ يعمق هذا الإدراك، لنبدأ العمل.

وهنا يعظم دور المسؤول في كل ميدان، فالوزير، ومدير الجامعة، ومدير المدرسة، ومدير المصنع، والأب، والأم، ومدير الجمعية الخيرية، وأهل العقول والتفكير، والمال، لديهم ما يمكنهم من تلك المنافسة التي تضعنا في المكانة الحقيقية، وتوضح الطريق الحق عند تشعب مفارقه.

وأخيرًا: الارتباط بالمولى جلّ وعلا، واستشعار معيته دائمًا وأبدًا، واستمداد المعونة منه، وإدراك أنه بدون هذه المعونة لا يمكن أن تتضح الرؤية، أو يوفق الإنسان، فالله جعل من سننه سبحانه التوفيق لمن أطاعه، وعمل بشرعه، وابتعد عن منهياته.

هكذا يمكن أن يتحدد  الطريق عند تعدد الطرق، ويتضح السبيل عند تشعب السبل، ويتضح الطريق الصحيح بين مفارق الطرق المتعددة.

هدانا الله تعالى سواء السبيل، وهو من وراء القصد

وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 


(1) سورة الأنفال، الآية 24.

(2) سورة الحشر، الآية 7.