في مفترق الطرق

 

إن حركة الإنسان في حالة تغيّر وتحوّل مستمرين، بسبب ظهور مستجدات وتطورات مع مرور الزمن، ووفق هذه السنة الكونية فإن كثيرًا من المفاهيم والتصورات تتغير وتتبدل لدى الشعوب والأمم، حسب رصيدهم من العقيدة والعلم، والتجربة والخبرة، فمن الناس من يأخذه التطور والتجدد إلى الانحراف، ومنهم من يستغل ذلك ضمن عقائده ومفاهيمه الثابتة ليستفيد من المستجدات ضمن إطار عقيدته ومبادئه وتصوراته الثابتة، فيسعد بها نفسه ومجتمعه وأمته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا"، وقال أيضًا: " يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر (1)

إن هذا المفترق من المعالم المهمة في تاريخ الإنسان، لأن مسار تقدمه وحضارته مرتبط به ارتباطًا وثيقًا، من أجل ذلك اعتنى به الإسلام عناية كبيرة، وتطرق إليه كثير من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية واجتهاد أهل العلم في العصور المختلفة.

وجاءت التوجيهات الشرعية الكثيرة للمؤمن باقتفاء منهجية واضحة المعالم للتعامل مع هذا المحرك للمسار من أجل أن يحافظ على الأصول الثابتة في الدين من جهة، ومن جهة أخرى فتح باب الاجتهاد وإعمال العقل في المستجدات التي لم يرد فيها نص شرعي صريح ضمن قواعد ثابتة راسخة، وهذا ما أعطى التشريع الإسلامي المرونة في التعامل مع الأحداث في كل زمان ومكان بصورة إيجابية تتحقق معه المصلحة على المستويات المختلفة، وهو ما سمّاه أهل العلم بالمصالح المرسلة.

ظواهر:

ولمعرفة المراد، وتشخيص الحالة، ثمة مجموعة من الظواهر التي تضع الإنسان على مفترق الطرق في هذا العصر، نتيجة انفتاح العالم على بعضه عبر وسائل الاتصال المختلفة، وخاصة الانترنت والفضائيات، فتداخلت الثقافات والأفكار، وتنافست المذاهب والأديان، مما تسبب في حدوث ظواهر خطيرة على كيان الأمة واستقرارها، ومن تلك الظواهر:

- حدوث خلخلة في المفاهيم والأفكار لدى كثير من المسلمين، بل وكثير من النخب العلمية على أفكارهم السابقة، والتي كانت تعدّ بمثابة ثوابت شرعية لا يمكن تبديلها.

- تغيير الرؤية الشرعية لدى البعض نحو الفرق الباطلة والمذاهب المنحرفة، حتى يظن أن ليست فوارق بينها وبين المنهج الصحيح، رغم مخالفتها لعقيدة التوحيد.

- حدث تغيير في الرؤية لدى الآخرين نحو قضايا شرعية ثابتة ومسلمة مثل قضية المرأة ومكانتها ومجال عملها، وبعض الأحكام المتعلقة بها، في مسائل الحجاب، وغيرها.

- حدوث توتر أثناء طرح بعض المفاهيم، الأمر الذي أحدث خلخلة بين الناس، لأن هذه المفاهيم لم توضع تحت الضوء للبحث والدراسة تحت مظلة شرعية وعلمية موثوقة، مما أدى في بعض الأحيان إلى التشكيك في بعض المسلمات والثوابت، بل وإلى الانحراف الواضح.

- وجود قلق عند بعض التغييرات في الاجتهادات أو أحوال المجتمع وتوجس من كثير منها، مما تبحث فيه هذه الاجتهادات بنفسية قلقة متوترة.

أثر تلك الظواهر:

لقد أثر بروز تلك الظواهر على الواقع، وتسبب في كثير من المشكلات الفكرية والاجتماعية، منها:

1 – أن هذا الاضطراب في الفكر يؤدي إلى اضطراب في العقيدة الصحيحة، خاصة الشرائح الاجتماعية العامة التي ليس لديها العلم الشرعي الكافي، فتختلط عليهم الأمور في العبادات والمعاملات وغيرها، وقد ذمّ الله تعالى أهل الكتاب على ذلك فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (2)

2 – هذا الاضطراب والانقلاب الفكري قد يكون من أسباب الفسق والنفاق، فقد جاء في وصف المنافقين أنهم لا يستقرون على حق ولا يثبتون على هدى، بل يتذبذبون من فكر إلى آخر ، فقال جل وعلا: (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (3)

3 - من نتائج هذه الظواهر التشتت وعدم الاستقرار على مناحي الحياة المختلفة، الاجتماعية والمالية والسياسية، وتعرضها للتناحر والصراعات بين أبناء الأمة الواحدة، وهي مخالفة صريحة لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(4)

4 - نمو الغلو والتطرف الديني والفكري في المجتمع، والذي يؤدي إلى تكفير الناس، ومن ثم انتشار ثقافة العنف والتفجير، واستباحة الدماء والأعراض وغيرها، وهو ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا(5)، وقال عليه الصلاة والسلام: "أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" (6)

5 – فتح الأبواب للغزو الفكري الغربي والشرقي، متمثلاً بالإعلام المفتوح، وحركة التغريب، وإثارة الشبهات والأباطيل عن الإسلام وتشريعاته ورموزه.

6 – ومن الآثار هذه الظواهر، نمو المذاهب الباطلة والهدامة في المجتمعات الإسلامية، إذابة الفوارق وعدم الخصوصية.

7 – فقدان الثقة بأهل العلم، وبالتالي أخذ العلم من غير أهله، مما يتسبب ذلك في تفشي الجهل بالدين وظهور البدع والخرافات بين الناس، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تولي الجاهلين منابر العلم فقال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا"(7)

8 – الخسران في الآخرة، فقد ذكر الله تعالى مصير الذين استبدلوا المحكمات بالمتشابهات بمثابة المرأة التي نقضت غزلها بعد أن أمضت فيه وقتًا طويلا من التعب والعناء، فقال جل وعلا: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )(8)

 

أسباب خلخلة المفاهيم:

ثمة أسباب كثيرة في خلخلة المفاهيم والانقلابات الفكرية والاجتماعية في المجتمعات المسلمة، منها:

1 – إهمال مصادر التلقي الأساسية وهي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، في التشريع والأحكام، في مجال العقيدة والحلال والحرام، ثم طلب العلم من المصادر الفرعية غير الأساسية، وقد حذّر الله تعالى من هذا النهج فقال: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (9)، وإبدالها بمصادر أخرى أو جعلها موازية لها في الحجة والتشريع.

2 – انشغال كثير من العلماء والمفكرين والمثقفين والموجهين عن الناس، وعن آمالهم وآلامهم، وعن مشكلاتهم ومعاناتهم، فلا يجتمعون بهم إلا عن بعد، عبر برنامج تلفزيوني، أو محاضرة، أو خطبة أو منتدى أو كلمة، وهذا الأمر يتسبب في فتح الأبواب للجاهلين وأصحاب الأهواء ليأخذوا مكانهم بين الناس، ويصدروا الفتاوى والأحكام من غير علم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على الاختلاط بالناس والتفاعل معهم، والصبر عليهم، فقال: "المؤمن الذين يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (10).

3 – إهمال المؤسسات التربوية والتوجيهية والتعليمية عن أداء دورها الحقيقي، في المدارس والجامعات والمحاضن الاجتماعية، وعدم التزام بعض القائمين على هذه المؤسسات بالإخلاص والالتزام بالقوانين واللوائح، وإنما يكون التعامل مع الطلاب والطالبات بطريقة آلية بعيدة عن الاندماج معهم أو تفهّم أحوالهم ومعاناتهم، الأمر الذي يعرّض النشء لانتهاج المسالك غير السوية، واتباع الشبهات والبدع والأفكار الدخيلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(11).

4 – التطور التقني الكبير، وثورة الاتصالات التي فتحت الأبواب على مصراعيه لتداخل الثقافات وتبادل الأفكار والمذاهب بين الشعوب بشكل سريع، مما يؤدي إلى ظهور زعزعة المفاهيم والثوابت لدى كثير من طبقات المجتمع، وخاصة طبقة المجتمع الالكتروني، وعدم التعامل معها التعامل الإيجابي المفيد، فطغى التعامل السلبي.

5 – انشغال الأسرة عن أفرادها، وتركهم عرضة للمخاطر الفكرية والانحرافات الأخلاقية، بعدم الجلوس مع أبنائها لمعرفة تطلعاتهم ومشكلاتهم، والإهمال في متابعتهم ومعرفة أصحابهم وأصدقائهم، وكذلك التقصير في مدى حرصهم على الفروض والطاعات، ونحوها، الأمر الذي يعرض هؤلاء الأبناء لأية وافدة فكرية منحرفة، وبالتالي إحداث زعزعة المفاهيم والتصورات عنده.

هل وجدت هذه الظواهر في العصور السابقة:

ظهرت صور كثيرة للانقلابات الفكرية وزعزعة المفاهيم عبر التاريخ الإسلامي تسببت في مفارق طرق متعدة، نذكر منها:

أولاً: ظاهرة الغزو الفكري:

إن ظاهرة الغزو الفكري من الظواهر القديمة والحديثة، ظهرت في صدر الإسلام حين حارب المشركون عقيدة التوحيد واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم شتى الاتهامات والتي كانت بمثابة غزو فكري على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم:

- فقد شككوا ورفضوا عقيدة التوحيد، كما قال الله تعالى عنهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (12)

- جعلوا لله البنات سبحانه عما يصفون، قال الله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) (13).

- واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالشاعر المجنون، قال تعالى: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) (14)

-  وقالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ساحر، قال الله تعالى: (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ )(15).

- واتهموا عليه الصلاة والسلام بالكذب ، قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً)(16).

-  كما اتهموه عليه الصلاة والسلام في عرضه في حادثة الإفك، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(17)

-  وشككوا في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) (18)،

- وانتقصوا من قيمة رسالة الإسلام ألا تكون على رجل عظيم، قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (19).

وتوالت الاتهامات للرسالة النبوية، وتعددت أشكال الغزو في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الوحي، وفي العقيدة والعبادات وغيرها، وفي كل مرة كان الله يردّ عليهم ويدحض حججهم بالبراهين القطعية.

وبعد عصر النبوة، ظهر الغزو الفكري بصور أخرى، مثل دخول الإسرائيليات إلى السنة النبوية، وظهور بعض العقائد الدخيلة جراء ترجمة الفلسفة الإغريقية وما فيها من وثنيات ومناقشتها.

واستمرت ظاهرة الغزو الفكري عبر التاريخ الإسلامي إلى وقتنا الحالي، فقد ظهرت بصور متعددة:

-  عبر الاستعمار المباشر لبلاد المسلمين.

-  وعن طريق المستشرقين وكتاباتهم.

-  ومن خلال الحملات التنصيرية، والبعثات العلمية.

-  إلا أن أقوى صورة لظاهرة الغزو الفكري في العصر الحالي، هي وسائل الإعلام بأشكاله المختلفة، وخاصة الفضائيات وشبكات الانترنت، فقد أشغلت هذه الوسائل الأمة بسفاسف الأمور عن معاليها، وأهملت قضاياها الكبيرة، حتى اقتصر كل اهتمامها في الشكليات وإثارة الغرائز، وطرح الشبهات وغيرها.

 

ثانيًا: ظاهرة المرتدين:

انقلبت المفاهيم لدى بعض القبائل العربية، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فظهرت حركة الردة المتمثلة في رفض هذه القبائل لبعض الأحكام والتشريعات الإسلامية، ونشبت المعارك بينهم وبين الصحابة لمدة عام كامل، وقتل أعداد كبيرة من الطرفين، وكان ممن دخل في حركة الردة الذين امتنعوا عن دفع الزكاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستُخلف أبو بكر بعد، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، وحسابهم على الله. فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليى منعه" (20)

وربما تجدد هذه الظاهرة في هذا العصر لدى ضعاف النفوس، والبعيدين عن معالم الإيمان، من خلال بعض الأسباب الحياتية المختلفة، مثل الإقامة الدائمة بين ظهراني الكفار، أو العمل لدى غير المسلمين لفترات طويلة، أو الفقر الذي يدفع بصاحبه أحيانا لاعتناق أي مذهب للحصول على المال، أو الزواج من غير المسلمات، ونحوها.

ثالثًا: ظهور الفرق والمذاهب:

ومن صور خلخلة المفاهيم وتغيّر الأفكار والعقائد، ظهور الفرق والمذاهب داخل المنظومة الإسلامية رغم انحراف كثير منها عن ثوابت العقيدة وأصول الدين، وذلك نتيجة:

- الاعتماد على العقل وتقديمه على النقل.

- انتشار حركة الترجمة وخاصة في العصر العباسي مما أدى إلى ظهور الأفكار الدخيلة والغريبة إلى الإسلام، وذلك دون تمحيص، فأخذت بعجرها وبجرها.

وكذلك ظهور الفلسفة وعلم الكلام، ونحوها.

ومن هذه الفرق على سبيل المثال لا الحصر(21):

- الخوارج: الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتكفير من رضي بالتحكيم، ومن فرقهم: الحرورية، والأزارقة، والنجدات العاذربة، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية.

- الشيعة: الذين تظاهروا بالتشيع للإمام علي رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، إما جليًا أو خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، ومن فرقهم: الكيسانية، والزيدية، والإمامية، والغالية، والإسماعيلية.

- المرجئة: الذين قالوا بتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا، من كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، ومن فرقهم: اليونسية، والعبيدية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والصالحية.

- المعتزلة: الذين قالوا إن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا مطلقًا ولا كافرًا مطلقًا وإنما منزلته بين المنزلتين، ومن فرقهم: الواصلية، والهُذيلية، والنظّامية، والخابطية، والحَدْثيّة، والبشْرية، والمعمّرية، والثمامية، وغيرها.

- الجبرية: الذين ينفون الفعل عن العبد وإضافته إلى الله تعالى، ومن فرقهم: الجهمية، والنجارية، والضِّرارية.

وغيرها من الفرق الأخرى التي يطول المقام لذكرها والتعرّف إليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة وهي الجماعة" (22)

 

وسائل معينة للثبات على المنهج:

تلك مجرد أمثلة لما ورد عبر التاريخ لظاهرة خلخلة المفاهيم وزعزعتها، والتي قابلها علماء الإسلام ومفكروه بجهود عظيمة تأصيلاً وبيانًا وموافقة، وفي هذا الوقت الذي نشطت فيه هذه الظاهرة يتطلب وقفة جادة لبيان وسائل وخطوات تعين الإنسان للثبات على المنهج، وتحفظه من زعزعة المفاهيم والثوابت عنده، لعل في مقدمتها:

- تجديد الشعور الإيماني بالله سبحانه وتعالى الذي من شأنه أن يعمق مفهوم الاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (23)

هذه الاستجابة التي يمكن ترجمتها بقوله سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (24)، وبقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".

هذا الشعور الإيماني من شأنه أن ينمي الثقة في نفس المسلم ويقوي الإرادة نحو الاعتزاز بأوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما يضفى الطمأنينة على مسيرته في هذه الحياة بكافة جوانبها، ويقوي المناعة تجاه أي وافد من فكر أو ثقافة ما لم تكن منطلقة من هذا الإيمان العظيم، ومتضحة الإيجابيات.

- وثاني هذه الخطوات وضوح الرؤية تجاه الأسس والمنطلقات التي يجب أن ينطلق منها المسلم في منهجيته في هذه الحياة، وعدم الضبابية الحاجبة أو المشوشة لهذه الأسس، ومن ذلكم التصور العام تجاه قضايا الحياة كلها الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

وأحسب – هنا – أن كثيرًا من التردد، والتوتر الحاصل تجاه المتغيرات مرد كثير منه إلى هذا التشويش وإلا فلا يمكن أن يُختلف على القضايا والمسائل الكبرى التي عمل بها المسلمون منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا الحاضر.

- وثالثها: إدراك أن لهذا الدين، وبخاصة أنه دين عملي تطبيقي، قواعد وأسس سطرها علماء الإسلام تحكم منظومة الحياة كلها، وتتعامل مع القضايا الثابتة بثبوتها، ومع المتغيرات بما تحكمها هذه القواعد، وقد أبدع الأئمة، كالإمام الشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم، والقرافي وغيرهم، رحمهم الله، في إيضاحها وبيانها، مما يؤكد على مسؤولية الحاضرين بتفعيلها وإنزالها على الواقع.

- ورابعها: إيجاد الثقة بمصادر التشريع الأساسية مهما كانت العواصف تجاهها، وهما (القرآن الكريم والسنة المطهرة) فما لم يكن معتمدًا عليهما فلا يقبل، بهذا يضبط المسار، وتسد الفجوات التي يُدخل منها للشعور بالتوتر والتعلق تجاه المفاهيم الثابتة والمتغيرة.

- وخامسها: العمل الجاد من أهل العلم والفكر لإحياء المفاهيم الشرعية، وإيضاح التعامل مع المستجدات، والنوازل وبخاصة العامة التي تسبب إرباكًا وتوترًا لكثير من أبناء المسلمين وثباتهم.

ويدخل في ذلك: بيان علل الأحكام وبخاصة عندما يكون هناك تعارض في الظاهر بين ما درج العمل عليه وما عليه المستجدات، وهي قضايا كبيرة مثل قضية المرأة والتعامل معها، وإبعاد الغبش في ذلك، وكذلك قضية التعامل مع غير المسلمين، وغيرها كثير، ناهيك عما يتعلق بالقضايا الشخصية وبالأخص القضايا المالية والاجتماعية، أو ما يتعلق بالحقوق ونحوها.

- وسادسها: إدراك أن الحياة ميدان للعمل والتنافس على المستوى الفردي، أو الجماعي، أو الدولي، وهذا الميدان قابل لأي عمل وكذا إدراك أن أهم مجال في هذا الميدان هو مجال البناء، البناء الفردي، والأسري، والمجتمعي، والبناء الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والتربوي.

إن إدراك هذه الحقيقة يعطي دافعًا قويًا، وحافزًا نحو التوجه إلى هذه المنافسة الكفيلة بالتفوق في مختلف المجالات لأننا نحن المسلمين نملك تلك المقومات، فلا يبقى إلا أن نفعلها ونحيي في نفوس أبنائنا وبناتنا هذه المقومات.

وإطلالة على التاريخ يعمق هذا الإدراك، لنبدأ العمل.

وهنا يعظم دور المسؤول في كل ميدان، فالوزير، ومدير الجامعة، ومدير المدرسة، ومدير المصنع، والأب، والأم، ومدير الجمعية الخيرية، وأهل العقول والتفكير، والمال، لديهم ما يمكنهم من تلك المنافسة التي تضعنا في المكانة الحقيقية، وتوضح الطريق الحق عند تشعب مفارقه.

وأخيرًا: الارتباط بالمولى جلّ وعلا، واستشعار معيته دائمًا وأبدًا، واستمداد المعونة منه، وإدراك أنه بدون هذه المعونة لا يمكن أن تتضح الرؤية، أو يوفق الإنسان، فالله جعل من سننه سبحانه التوفيق لمن أطاعه، وعمل بشرعه، وابتعد عن منهياته.

هكذا يمكن أن يتحدد  الطريق عند تعدد الطرق، ويتضح السبيل عند تشعب السبل، ويتضح الطريق الصحيح بين مفارق الطرق المتعددة.

هدانا الله تعالى سواء السبيل، وهو من وراء القصد

وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

      كتبه

                                                                            أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

                                                                                  عضو مجلس الشورى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الترمذي.

(2) سورة آل عمران، الآية 71.

(3) سورة النساء، الآية 143.

(4) سورة المائدة، الآية 2.

(5) أخرجه مسلم.

(6) أخرجه البخاري.

(7) أخرجه البخاري.

(8) سورة النحل، الآية 92.

(9) سورة الأنعام، الآية 153.

(10) أخرجه الترمذي.

(11) أخرجه البخاري.

(12)سورة ص، الآية 5.

(13) سورة النحل، الآية 57.

(14) سورة الصافات، الآية 36.

(15) سورة يونس، الآية2.

(16) سورة الفرقان، الآية 4.

(17)سورة النور، الآية 11.

(18) سورة الفرقان، الآية 7.

(19) سورة الزخرف، الآية 31.

(20) أخرجه البخاري.

(21) الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبدالكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني.

(22) أخرجه ابن ماجه.

(23) سورة الأنفال، الآية 24.

(24) سورة الحشر، الآية 7.

 

 

                                                                                                                     

 

 

 

 

 

 



بحث عن بحث