بحث عن بحث

الوقفة الثامنة: استشارة أولي النهى في الأمور المعقدة

وعند ما نرى في سيرة رسول الله غ نجد أمثلة طيبة في ذلك، فمنها:

o      أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ما بالمسلمين من البلاء من قبل كفار قريش أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة، فقال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارًا إلى لله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام. وبذلك نجوا من فتنة الكفار لعهد طويل.

o      ومن ذلك مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في كيفية إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ففي الحديث المتفق عليه عن نَافِع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا بِلالُ! قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ«(1).

o      وقبل غزوة بدر استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة فقال: «أشيروا علي أيها الناس!» فلما تكلم سعد بن معاذ بما قرت به عين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيروا وأبشروا؛ فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم». ثم لما نزل بأدنى ماء من بدر قال الحباب بن المنذر: «يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي»(2).  وهكذا قد استفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي صحابي له بل حسّن رأيه.

o      في الحديبية بعد أن تم الصلح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنحر والحلق، فقال: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال الزهري: «فوالله ما قام منهم رجل حتى قال صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل صلى الله عيه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة رضي الله عنها: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا»(3). وهكذا جاءت نتائج المشورة.

o      وليعلم أن المستشار مؤتمن كما ورد في الحديث؛ فلا ينبغي له أن يكتم النصح في إبداء الرأي الحسن، ولا أن يخون المستشير بكتمان المصلحة. وقد استشارت فاطمة بنت قيس النبي صلى الله عليه وسلم فيمن خطبها، فأشارت إلى من يصلح لها؛ فعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: «سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُكْنَى وَلا نَفَقَةً، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي فَآذَنْتُهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ أُسَامَةُ؟! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ. قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ«(4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في الأذان، باب بدء الأذان (604) ومسلم في الصلاة، باب بدء الأذان (377).

(2) سيرة ابن هشام (2/210).

(3) تفسير ابن كثير، تفسير سورة الفتح.

(4) رواه مسلم في الطلاق، باب المطلقة البائن لا نفقة لها (1480).