بحث عن بحث

من آداب الحديث
عن عبد الله بن مسعود ط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».

وعن جابر ط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا. وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون».

©  أهمية الحديثين:

اهتم الإسلام اهتمامًا بالغًا في علاقة المسلم بإخوانه المسلمين، ومن ذلك محادثتهم ومخاطبتهم، التي يجب أن تكون متحلية بالأخلاق والآداب الإسلامية.

©  مسائل الحديثين:

1-   المخاطبة والحوار والحديث جزء من تعامل المسلم مع الآخرين، فيجب أن يكون على أحسن حال وأجمل مظهر، فينتقي له الألفاظ المحببة للنفوس، التي تحمل المعاني الطيبة، كما يجب أن تكون مفيدة لسامعها.

2-   في الحديث الأول: يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم  من عدد من الصفات التي تعتري الأحاديث والكلام، ويقاس عليها غيرها مما شابهها. ومن ذلك:

أ – عدم طعن الآخرين في الكلام، ونلاحظ التعبير هنا: «ليس المؤمن بالطعّان» صيغة مبالغة تدلّ على البعد تمام البعد عن طعن الناس بما يؤذيهم من الكلام البذيء.

ب- ولا اللعّان: واللعن هو السب والشتم، وطلب الطرد من رحمة الله تعالى، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : «لعن المؤمن كقتله». وهذه جريمة كبرى وآفة عظمى يجب اجتنابها والحذر منها تمام الحذر.

ج- البذاءة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ومعنى ذلك أن المؤمن يجب أن يتجنب الألفاظ المشينة، والكلمات المؤذية، كالاستهزاء والسخرية، والتعليق على الآخرين بما يؤذيهم، ووصفهم بالصفات القبيحة، وتعبيرهم، وإشاعة ألقابهم المكروهة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات: 11].

د- القذف وهو رمي الآخرين بما ليس فيهم من الفواحش، وهذا من أعظم المنكرات، بل قد رتب الله تعالى عقوبة في الدنيا مع ما سيلاقيه القاذف من عقوبة في الآخرة، بل عَدّهُ الله تعالى إفكًا عظيمًا، وذنبًا كبيرًا، فهو من الكبائر، وقد عَدّهُ الرسول صلى الله عليه وسلم  كذلك في قوله: «اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات».

هـ - يقاس على ما سبق كل ما كان مؤذيًا ومحرجًا للآخرين فيجب اجتنابه والحذر منه.

3-   من آداب الحديث ألا يتكلم المتكلم بحضرة من هو أكبر منه علمًا أو قدرًا، أو مكانة إلا بأدب واستئذان، وقد كانت هذه حال الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحال بعضهم مع بعض.

4-   ومنها أن لا يتكلم ويظهر أنه أكبر من الجالس علمًا، وأفصح، فيكون همه الألفاظ غير المألوفة، أو ما يجهله الآخرون. وقد ذم الرسول صلى الله عليه وسلم  الذين يتظاهرون بذلك.

5-   الأخلاق العالية الرفيعة الزكية مقياس علو الأمم والأفراد، والفرد جزء من أمته المسلمة، فيجب على المسلم الالتزام بهذه الأخلاق والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم  في ذلك الذي أثنى الله تعالى عليه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. وهكذا اشتهر عليه الصلاة والسلام قبل البعثة. وقد سطرت كتب الشمائل المحمدية شيئًا من صفاته وأخلاقه.

والمسلم مأمور بالاقتداء به، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

6-   الوصول إلى قرب الرسول صلى الله عليه وسلم  يوم القيامة والدخول في دائرة من يحبهم غاية عظيمة، وهدف كبير، على المسلم أن يسعى إليه بكل ما استطاع.

ومن وسائل الوصول:

أ – التخلق بالأخلاق الطيبة.

ب- اللين في معاشرة الآخرين.

ج- التلطف بالحديث والكلام مع الآخرين.

د- حب المسلمين وألفهم والتودد إليهم.

وهذا ما دلّ عليه الحديث الثاني.

7-   من آداب الحديث محاولة إفادة المجلس بما منحه الله تعالى من العلم النافع، واستغلاله بكل ما هو مفيد من الأمور الدينية والدنيوية.

8-   من الأحاديث التي تكثر بين الناس المزاح، ومن آداب المزاح إصلاح النية فيه، فلا يكون هَمّ المتحدث إضحاك الآخرين ولو بمحرم، فعليه أن يصلح نيته فيكون همه إدخال السرور إلى قلوبهم.

ومن ذلك: اجتناب المحرم في المزاح كالكذب، وقد جاء ذم ذلك كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «ويلٌ للذي يحدث بالحديث ليضحك القوم فيكذب، ويلٌ له، ويلٌ له».

ومن ذلك: عدم الإكثار من المزاح حتى لا يتغلب على أحاديث المتكلم فيكون سِمةً له، فيكثر هزله ومن ثم يضيّع أوقاته بما لا يفيد.

ومن ذلك: عدم المزاح بالأمور الشرعية، وهذا من أخطر ما يتمازح فيه بعض الناس، كالسخرية من آية أو من حديث، أو من حكم شرعي، أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بشعيرة من شعائر الدين وغير ذلك.