بحث عن بحث

الشكر والصبر

عن صهيب رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير – ولي ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن – إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».

©  أهمية الحديث:

هذا الحديث يمثل ما يجب أن يكون عليه المسلم فيما يواجهه في هذه الحياة من الأفراح والأتراح، وهما موقفان لا ثالث لهما، فإن حاد عنهما فقد ضل الطريق المستقيم، وحاد عن الصراط القويم، ووقع في الوعيد الشديد، وخسر ما أعده الله تعالى لعباده الصابرين الشاكرين.

©  مسائل الحديث:

1-   من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل حياتهم كلها خيرًا لهم، وهذه الخيرية في الدنيا والآخرة، لأن الإنسان في هذه الحياة لا يستقر أمره على حال واحدة، فإما أن يكون في حالة مسرة وفرح فيكون موقفه الواضح هو شكر الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون في حالة حزن ونحوها فيكون موقفه الصبر، والنتيجة لكلا الموقفين الخيرية والطمأنينة والراحة في الدنيا والآخرة.

2-   وهذا الموقف لا يكون إلا للمؤمن لأن غيره يبطره الفرح ويظن أن ما أوتيه من النعم بسبب ذكائه وحرصه، وحيله، ودراسته، وتجارته وغير ذلك فيخرج عن شكر الله تعالى ويصيبه الغرور والبطر فيكفر بنعم الله تعالى، فتكون النتيجة الخسارة والهلاك في الدنيا والآخرة كحال قارون الذي قص الله سبحانه وتعالى قصته في القرآن الكريم. فإن أصيب بمصيبة، أو وقع في أمر محزن كالمرض، أو الخسارة المالية، أو موت قريب ونحو ذلك، فيجزع ويسخط، ويتولول ويندب حظه، فيستمر حزنه وهمه وغمه، وفي الآخرة أشد وأنكى كحال أهل الجاهلية إذا وقعوا في مصيبة.

3-  موقف المسلم من السراء:

أ – من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين أن أنعم عليهم بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومنها: نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة الإسلام والإيمان، والصحة والعافية، والرزق والغذاء، ونعم الليل والنهار، والماء والهواء، وغيرها، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم بعض هذه النعم، قال تعالى - عن نعمة الخلق والإيجاد وحسن الخلقة-: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

وقال سبحانه عن نعمة الوقت: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].

وقال سبحانه معددًا بعض النعم التي لا يستغني عنها الإنسان في هذه الحياة: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ﴿32 وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴿33 وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 32 – 34].

ونعم الله كثيرة يصعب حصرها وتعدادها؛ قال تعالى مؤكدًا ذلك: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18].

ب- وموقف المسلم الحق من هذه النعم هو شكر الله سبحانه وتعالى، فكثيرًا ما يختم الله سبحانه آيات النعم وتعدادها بالتنبيه لشكره سبحانه كما في الآيات السابقة وغيرها.

والشكر هو اعتراف العبد للرب المنْعِم وأداء الحق لمستحقه سبحانه.

ج- وشكر الله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بأن يحققه العبد من خلال ثلاثة أمور:

1-   الشكر بالقلب. ويكون ذلك بالاعتراف بأن هذه النعم من الله سبحانه وأنه هو المعطي سبحانه، فيعتقد العبد بأن المنعم هو الله سبحانه، وأنعم بهذه النعم تفضلًا وإحسانًا.

2-   التحدث بهذه النعم ظاهرًا بلسانه فيثني على الله تعالى، ويكثر من حمده وشكره، ولا ينسب هذه النعم إلى غيره، فإن خالف العبد ذلك تشبه بقارون الهالك عندما قال عن أمواله التي رزقه الله إياها: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} [القصص: 78]. قال ذلك عندما نصحه قومه عن البطر والفساد في الأرض، فكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض.

3-   شكر الله تعالى بالعمل بهذه النعم بطاعة الله، والاستعانة بهذه النعم على ذلك، والحذر من استعمالها في معصية الله، كالذي يستعمل ماله، أو جوارحه، أو قوى جسمه وغيرها من النعم في معصية الله كمن يشتري بماله حرامًا، أو ينظر بعينيه إلى محرّم، أو يمشي برجليه إلى محرّم فهذا قد كفر بنعمة الله تعالى.

د- إن من يتصف بهذه الصفة الحميدة، ويقوم بهذا الشكر فجزاؤه الزيادة من فضل الله ونعمه، ويكون مقتديًا بأفضل خلق الله تعالى من الأنبياء والمرسلين، الذين وصفهم الله بهذه الأوصاف الجليلة، قال تعالى مؤكدًا على هذه الحقائق، والنتائج: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]. ويقول سبحانه: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان: 22]. وقال سبحانه: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7].

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  شاكرًا لربه، يوصي أمته بذلك، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال صلى الله عليه وسلم : «أفلا أكون عبدًا شكورًا».

وأوصى معاذًا رضي الله عنه  فقال: «يا معاذ إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

4- موقف المسلم في الضراء:

أ – قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]. وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].خلق الله سبحانه الإنسان في هذه الحياة، وكلفه بتكاليف خصّه بها، وجعل هذه الحياة ميدانًا لهذه التكاليف. وأقامها على المشاق والعقبات. ولتجاوز هذه العقبات يحتاج المسلم إلى صبر ومصابرة، وتحمل وجهد، فهذه العبادة التي يمارسها المسلم في يومه وليلته، وفي أسبوعه وشهره، وفي سنته وعمره تكاليف تحتاج في إتقانها وأدائها إلى صبر وما يعترض العبد في هذه الحياة من صعاب ومشكلات، وآفات وأمراض، وفقدان الأحبة وغير ذلك يحتاج إلى صبر، وما يعترض المسلم من شهوات وملاذ منع منها، يحتاج في مقاومتها إلى صبر.

ولهذا كان الصبر واردًا في أعمال المسلم كلها: في حال طاعته لله سبحانه، وفي حال تركه لمعاصيه، وفي حال ما يعترضه.

والصابر تُرفع درجاته وتُكفر سيئاته حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه».

وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة». أي نقيًا من الذنوب والمعاصي، وعاقبة الصبر خير ونعمة كما في حديث الباب: «وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا...».

ولهذا جاء ذكره في كتاب الله تعالى حثًّا وترغيبًا وأمرًا وبيانًا لفضله وعاقبة أهله في أكثر من تسعين موضعًا.

أ – للصبر ثمار عظيمة، وللصابرين أجرهم المضاعف، قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96]. وقال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]. وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿155 الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿156 أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]. وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

ب- لا شك أن موقف المسلم المبتلى يجب أن يكون هو الصبر، ولا يفوز بهذه الفضيلة العظيمة إلا من وفقه الله تعالى فعمل بالأسباب الموصلة إليه، ومن أهمها:

1-   التعلق بالله سبحانه وتعالى في جميع أموره كلها صغيرها أو كبيرها، وفي أي حال كانت.

2-   كثرة العبادات لله سبحانه وبخاصة في حال الرخاء والسعة والغنى فقد قال عليه الصلاة والسلام: «تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة».

3-   التصبّر فمن يتصبر يصبره الله سبحانه.

4-   كثرة ذكر الله تعالى وبخاصة قول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]. حال أصابته المصيبة.

5-   الدعاء والتضرع لله سبحانه وتعالى بأن يرزقه هذه الفضيلة العظيمة ويعينه عليها.

أ – لا شكَّ أن المتأمل في هذه الحياة يجد أنها مليئة بالمصائب والبلايا، والمحن والرزايا، ولذا من تفكر فيها تسلّى بما يصيب غيره، ومن هنا وجه الإسلام إلى أن ينظر المسلم إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه وذلك في أمور الدنيا لكي لا يحتقر نعمة الله عليه، فمن أصيب بمرض فلينظر إلى من هو أشد مرضًا لتهون مصيبته، ومن ينظر إلى اللاجئين والمشردين يحمد الله تعالى على نعمة الاستقرار والأمن... وهكذا.

5- من نتائج هذا الحديث:

أ – محاولة تطبيق هذه الفضائل العظيمة في شعب الحياة ومسالكها لتبقى له الخيرية في أموره كلها.

ب- إذا آمن المسلم بذلك استغل الفرص التي يمنحها الله تعالى له كما جاء في قول ابن عمر: «خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك».

ج- يجب أن يرتبط المسلم بالله تعالى في جميع أحواله كلها: غنًى وفقرًا، صحة ومرضًا، شبابًا وهرمًا، إقامة وسفرًا، لتحصل له الخيرية الكاملة.

د- تَذَكُّر نعم الله سبحانه وتعالى الكثيرة ليكثر شكر المسلم لله تعالى، وصبره على ما يبتلى به.

هـ - ينبغي المسلم التوازن في منهجية تعامله مع هذه الحياة فلا يفرح ولا يبطر حال النعم، ولا ييأس ويتضجر حال النقم.

و- من كانت هذه حاله تنقلب له المحن منحًا، والنقم نعمًا، والأمراض والأسقام أجرًا وثوابًا، وهكذا.