بحث عن بحث

الدرس التاسع والعشرون

ختام رمضان وصدقة الفطر

الحمد لله الذي أتم لنا شهر رمضان، بالإعانة على الصيام والقيام وقراءة القرآن وكثير من الطاعات والبر والإحسان، ونسأله أن يتقبل من ويجعلنا من أهل المغفرة والرضوان، والعتق من النيران، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:

فأسأل الله لي ولكم قبول الأعمال في هذا الشهر الكريم ونسأله جل وعلا أن يعيده علينا عاما بعد عام ويجعلنا من أهل الصيام والقيام.

أخي المسلم: تحدثنا في الدرس السابق عن وقفات متفرقة مع المسلمين في يوم عيد الفطر المبارك، وعرفنا ماذا ينبغي علينا تجاه أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا يوم العيد، وما هي العبادات المشروعة في ذلك اليوم، واليوم وفي ختام هذه الدروس نكمل بقية الوقفات مع ختام الشهر ويوم العيد.

الوقفة الأولى: قد شرع الله جل وعلا في ختام الشهر صدقة الفطر، شرعها سبحانه لحكم عظيمة ومقاصد جليلة، شرعها طهرة للصائم مما حصل منه من تقصير وخلل في أثناء صومه، وهذه الصدقة تكفر الخطايا وتسد الخلل، شرعها طعمة للمساكين والفقراء ليسدوا حاجتهم في ذلك اليوم، ويشاركوا المسلمين أفراحهم، واستبشارهم بنعم الله سبحانه وتعالى، وليكفوا أيديهم عن السؤال والطلب فيعيشوا مع المسلمين البهجة والسرور في عيد الجميع، فيشترك الكبار مع الكبار، ويمرح الصغار مع الصغار، فتعلوا البهجة والسرور محياهم، وبالتالي تشمل الفرحة بالعيد كل بيت، وتعم النعمة كل أسرة، وتعلو البسمة شفاه الناس جميعًا، والبهجة تغمر قلوب أبناء المجتمع قاطبة.

ومن هذا المنطلق شرع الإسلام هذه الصدقة، صدقة الفطر طهرة للصائم، ومواساة للفقير والمسكين، ولذا لابد من إيصالها إلى مستحقيها قبل صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها عن وقت الصلاة.

روى أبوداود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنه  أنه قال: (فرض رسول الله  صلى الله عليه وسلم  زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، فمن أخرجها بلا عذر لم تقبل منه لأنه خلاف ما أمر به رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ولكن يجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين، لكن الأفضل أن تخرج يوم العيد قبل الصلاة لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنه  أن النبي  صلى الله عليه وسلم  أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة.

أخي المسلم: زكاة الفطر فريضة فرضها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  على المسلمين جميعًا على الكبير والصغير والذكر والأنثى، والحرّ والعبد، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه  أنه قال: فرض رسول الله  صلى الله عليه وسلم  زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين.

ولا بأس بإخراجها عن الجنين الذي في بطن أمه، بل يستحب ذلك لفعل عثمان بن عفان رضي الله عنه .

أيها الأخ الكريم: وهنا مسائل يحسن التذكير بها، ومنها:

الأولى: أن الواجب فيما يخرج طعام الآدميين من أرز أو تمر أو زبيب أو أقط أو نحوها، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  أنه قال: كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي  صلى الله عليه وسلم  صاعًا من طعامٍ، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر.

الثانية: أنه لا يجزئ إخراج قيمة الطعام عند جمهور العلماء؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  الذين كانوا يخرجونها صاعًا من طعام.

الثالثة: ينبغي للمسلم أن يدفع زكاته إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج ولو كان في غير مقره الأصلي، وبخاصة إذا كان مكانًا فاضلًا أو كان فقراؤه أشدّ حاجة.

الرابعة: أنه يجوز توزيع الفطرة الواحدة على أكثر من فقير كما يجوز دفع عدد من الفطر إلى فقير واحد أو أسرة واحدة، كما يجوز للفقير أن يدفع الفطرة عن نفسه إذا استلمها من شخص آخر إذا عرف كيلها ومقدارها.

أيها المسلم الكريم: الله الله في إتمام صيامكم بدفع صدقاتكم بنفوس راضية مطمئنة مستصحبين إخلاص النية لله عزَّ وجلَّ وحاولوا جهدكم واستطاعتكم أن تدفعوا للفقير ما ينتفع به، وكل ما غلا ثمن الصدقة وانتفع به الفقير عظم الأجر وازداد الثواب، كفروا عن أنفسكم وطهروا صيامكم وسدوا حاجة إخوانكم بدفع صدقاتكم من دون منّ ولا أذى.

الوقفة الثانية:يوم العيد يوم فرح وسرور، ومن الصدقة والبر والإحسان أن تدخل السرور إلى قلوب إخوانك المسلمين، ومن ذلكم كثرة الصدقات والهدايا والعطايا والهبات في ذلك اليوم عظيم سوى صدقة الفطر الواجبة.

هناك بعض الأسر لا تجد لأبنائها وبناتها ما يفرحهم ذلك اليوم من الثياب الجيدة، والملابس الحسنة، وهناك بعض الأسر لا تجد من يواسيها بالزيارات والدعوات والإحسان، وهناك بعض اليتامى ممن لا عائل لهم لا يجدون من يفرحون معهم، فلنجعل هذا اليوم يوم فرح وسرور وبهجة لجميع المسلمين، كل جار يتحسس أخبار جاره، وكل قريب يرعى أقرباءه، وكل صديق يلتمس أخبار أصدقائه، وكل جماعة مسجد يسألون عن المحتاج منهم، وكل موظفي دائرة معينة يتحسس بعضهم البعض، وفي هذا يسد حاجة المحتاج، ويتصدق على الفقير والمسكين، ويواسي الضعيف والعجز، ويدعي للمريض، ولا يبقى جائع ولا محتاج، الكل فرح بيوم الفرح، والكل مسرور بيوم السرور.

أيها المسلم الكريم: ونحن نختم هذه الدروس الأخيرة المباركة إن شاء الله، دعوة صادقة لكل مسلم بأن يجعل من رمضان منطلق خير له لأسرته ومجتمعه وأمته، وذلك بالتمسك بكتاب الله وبسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم  والعض عليها بالنواجذ والقيام بشؤون أسرته على هدى من الله تعالى والاهتمام بشؤون مجتمعه وأمته الإسلامية، هذا هو المستفيد من هذا الشهر المبارك.

أسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويضاعف حسناتنا ويعاملنا بعفوه ومنه وكرمه إنه عفو كريم غفور رحيم، وأن يعيد علينا رمضان عاما بعد عام، والأمة الإسلامية ترفل بثوب النصر والعز والتمكين، إنه سميع قريب مجيب.