بحث عن بحث

الدرس السابع والعشرون

في علاقة المخلوق بالخالق والمخلوق بالمخلوق

الحمد لله الذي أمرنا بأفضل الأعمال وأزكاها، وشرع لنا أفضل الشرائع وأسماها أصلي وأسلم على نبينا محمد البشير النذير، وعلى آله وأصحابه ومن على هداهم يسير. أما بعد ...

أخي المسلم: نعيش هذه الأيام من هذا الشهر الكريم، ونفوس المسلمين الصادقين تتمنى أن كل السنة رمضان ولكن هذه حكمة الله سبحانه وتعالى والسعيد كل السعادة، من صام رمضان وقام لياليه واغتنم أوقاته الشريفة في عمل الصالحات بإخلاص ورغب ورهب فأكرمه الله تعالى بالثواب الجزيل والرحمة والمغفرة والعتق من النار، والشقي من حرم ذلك وفرط في أيام وليالي هذا الشهر المبارك.

أيها المسلم الكريم: ونحن في الأيام الأخيرة منه لنا وقفتان جديرتان بالاهتمام: إحداهما في علاقة المخلوق بخالقه جل وعلا، والأخرى علاقة المخلوق مع المخلوق.

أما الوقفة الأولى: فالله سبحانه وتعالى عفو كريم، غفور رحيم، يغفر الذنب، ويقبل توبة المسيء من عباده، ويعفو عن الزلات، ويصفح عن الهفوات، يعلم من عباده سبحانه التقصير والخطأ والذنب، فإذا تاب العبد فالله جل وعلا أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.

ولا شك أخي المسلم بأن المسلم والمسلمة أثناء صيامهما لهذه الفريضة العظيمة وقعت منهما أخطاء وزلات، وقصروا في بعض جوانب الصيام من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ولهذا شرع الله سبحانه وتعالى ما يعدل هذه الأخطاء ويقوّم ما أعوج من خلل في النوايا والسلوك، وذلك بتشريعه جل وعلا صيام النوافل إذ أن في صيامها تكفير الذنوب، وعفواً عن الزلات، وتكثير للحسنات، وتكميل لما نقص في الفريضة، ومما شرعه الله سبحانه وتعالى ستة أيام من شوال متتابعات أو متفرقات في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره، روى مسلم وغيره عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر»، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها كما جاء مفسرا من حديث ثوبان t أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة»رواه أحمد والنسائي وغيرهما .

ومن ذلك صيام يوم عاشوراء، فقد صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأمر بصيامه كما حدّث بذلك ابن عباس رضي الله عنه  وقال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». وفى رواية أبى بكر قاليعنى: «يوم عاشوراء».

وكذلك صيام يوم عرفة لغير الحاج فقد ورد أنه يكفر السنة الماضية، وكذلك صيام ثلاث أيام من كل شهر والأفضل أن تكون أيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، كما حدّث بذلك أبو هريرة رضي الله عنه  حيث قال: (أوصاني خليلي المصطفى  صلى الله عليه وسلم  بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام).

وروى الترمذي وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». وكذلك صيام يوم الاثنين والخميس لما روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم».

أيها الأخ المسلم: فضل الله واسع وعطاؤه جزيل لم يبق علينا ونحن في الأيام الأخيرة من هذا الشهر الكريم إلا أن نشمر عن ساعد الجد ونعوض ما فاتنا باستصحاب النية والعزم على صيام شيء من النوافل وبخاصة ستة أيام من شوال.

وكل هذا التطوع مما يقوي علاقة العبد بربه جل وعلا، فكما أن قيام العبد بالفرائض من أعظم وسائل العلاقة مع الله تعالى وأحبها إليه فإن النوافل تأتي بعدها وهي عظيمة، ومن أهم ما يقوي العلاقة أيضا قيام العبد بسائر الواجبات والمستحبات وأنت أخي المسلم تختم شهرك الكريم اعزم على تجديد هذه العلاقة وتقويتها وبهذا تسعد في ختام شهرك وتجني ثمرته.

الوقفة الثانية: في علاقة المسلم بأخيه المسلم وهو يودع هذا الشهر وقد اكتسب منه فضائل كثيرة ومحاسن جمة، ومن أهمها تصفية القلب مما يكدر عليه صفوه وتطهير النفس من شوائبها، وغسل الفؤاد من أدرانه، علمنا رمضان تطهير القلب والجوارح كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وشهوته». وفي الحديث الآخر: «فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم»، كل هذا تذكير بما للصوم من مكانة تمنع اللسان من النطق بالفحش والسب والشتائم ودرس عملي لأن تكون الرابطة بين المسلمين رابطة أخوة ومحبة وصفاء، فعلينا ونحن نحتم الشهر أن نتذكر بهذه المناسبة وصايا المصطفى صلى الله عليه وسلم  بحقوق الخلق والتي يجسدها رمضان . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخوا المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير على صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله » رواه مسلم، وهذا تفسير وتأكيد لما أخبر الله سبحانه وتعالى به: [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ][الحُجُرات:10]، ولقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار».

وقال صلى الله عليه وسلم : «تعرض الأعمال في كل يوم اثنين وخميس فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا أمرا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يتصالحا» والنصوص في هذا كثيرة جدا لا يتسع الوقت لسردها ولكن المقصود التنبيه والتذكير .

أخي المسلم: لا شك أنه سيود علاقات بعض الأسر والأقارب والجيران والأصحاب والأصدقاء بعض التكدير لأسباب قد تكون غير سليمة أو مبنية على الطن، أو على نقل كلام غير صحيح ونحو هذا فمن هذا المنطلق، أوجه دعوة صادقة ونحن على مشارف نهاية شهر رمضان أن نزيل تلك الأكدار، وأن نجدد علاقات بعضنا ببعض، وأن يكون رمضان خير معين لنا على ذلك، ليضاعف الله لنا الأجر والثواب، وتسود الحياة الطمأنينة والسكينة، والراحة والسرور .

دعوة لكل قريب بأن يصفح عن زلات قريبه ويبادر في صلته وزيارته والتقرب إليه، ودعوة صادقة لكل جار بأن يحسن العلاقة مع جاره ويتحسس أحواله، ودعوة لكل صديق مع أصدقائه بان تصفو علاقاتهم، وتسودها المحبة في الله، والمودة فيه والأخوة الصادقة في جنابه، ودعوة لكل مسؤول بأن يرأف بمسؤوليته ويجعل الأخوة هي القاعدة في التعامل، والعدل هو شعاره في العمل.

ودعوة لكل مسلم بأن يقوم بحق أخيه المسلم فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، والإخلاء يوم القيامة بعضهم إلا المتقين، فعلى كل مسلم أن بحقوق إخوانه المسلمين فيبادرهم بالسلام بكل سرور وبشاشة، ويزور مريضهم ويوسع عليه، ويحترم كبيرهم، ويعطف على صغيرهم، ويتصدق على فقيرهم، ويحسن لمسيئهم، ويصلح بين متخاصميهم بالمعروف، وينصح مخطئهم، ويقوم خللهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. لا بد أخي المسلم أن تخرج من رمضان بهذه الحقوق عاملا مطيعا، فالله الله أن نحقق ما يريده منا خالقنا سبحانه.

أسأل الله أن يعيننا على أدائها، وأن يحقق آمالنا إنه قريب مجيب.