بحث عن بحث

السادس والعشرون

الصحــة ورمضـــان

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، أنعم علينا بالصيام والقيام وسائر الأعمال الصالحة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

فلقد تحدثنا في دروس سابقة عن بعض دروس رمضان واليوم نقف مع درس صحي نستفيد من رمضان المليء بالحكم والأسرار، اعلم أيها الأخ المسلم، أن المسلم يكفيه في الحث على الصيام وغيره من الطاعات أن يقال له: إن الله أمرك بالصيام دون أن تعدد فوائده وأسراره وذلك لأن المسلم مطلوب منه العبودية الكاملة لله عز وجل، ولكن مع ذلك علمنا الله سبحانه وتعالى أسرار كثير من العبادات وحكمها لنقف عندها متفكرين عاملين، مدركين أن هذا التشريع الإلهي قام على أساس تحقيق مصالح الناس ودفع الأضرار عنهم، ولذا نجد الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات التي بينت الأحكام يعقبها بذكر الحكمة منها فهو حين أمر المؤمنين بغض أبصارهم ذكر لهم الفائدة من ذلك فقال: [ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ] [النور:30] وعلى هذا فالمدقق في الصيام يجد أن من أسراره العظيمة حفظ الجسد والصحة،  يقول العلامة  ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا بعض آثار الصوم الصحية: (وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما سلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] [البقرة:183]  وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الصوم جنة».

وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح – ولا قدرة له عليه – بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة.

أخي المسلم الكريم: جاء في بعض الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه  مرفوعا: «سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا» وهذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف إلا أن معناه صحيح. وقد ذكر العلامة ابن القيم تأكيدا لهذا بعض آثار الصوم الصحية فيما سبق ذكره.

أخي المسلم : إننا إذا أمعنَّا النظر في التشريع الإسلامي نجد أنه وضع للمسلم منهجا متكاملا في معاملته مع جسده وهنا أذكر شيئا من ذلك:

أولًا : لا شك أن الصحة والعافية من نعم الله عز وجل وكثير من الناس يفرطون في هذه النعم فلا يستغلونها بما يفيد وينفع، ولذا قد ورد في الحديث الصحيح: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ».

جاء الحديث أيضًا بأن من أفضل الدعاء سؤال الله العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، وروى الترمذي وغيره عن أنس رضي الله عنه  أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله: أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة»، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له: مثل ذلك، ثم قال: «فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت». والعافية في الدنيا من أغلى ما يطلبه الإنسان ويتمناه ومما يزيد العافية الصوم إذ به تحفظ الجوارح الظاهرة والباطنة.

ثانيًا: لا شك أن الإنسان في هده الدنيا معرض لابتلاء الله تعالى، وعلى قدر إيمان الإنسان يكون ابتلاؤه، ومن أنواع: الابتلاء الأمراض بمختلف أنواعها، ولذا علمنا الإسلام طرقا كثيرة للوقاية من تلك الأمراض، ومن أهمها:

1- النظافة المستمرة للجسم ظاهرا وباطنا، ونظافة البيوت والمساجد والطرقات كما أن نظافة الباطن من المعاصي حصانة كبرى من الأمراض الحسية والمعنوية، ومما ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه الحاكم وغيره: «ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعمل بها علانية إلا وطهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم». ومن الأمراض ما تحصل بسبب مخالفة شرع الله وارتكاب نواهيه، وكم من أنواع البلايا حصلت بسبب اختلاط الجنسين اختلاطا غير شرعي.

2- ومن طرق الوقاية الاهتمام بالمطعم والمشرب وفي مقدمته أن يكون حلالا طيبا، وأن لا يكون ضارا بالجسم أو العقل، وفي هذه المناسبة أوجه دعوة صادقة للذين ابتلاهم الله تعالى بتناول شيء من المخدرات أو المسكرات وما شابههما كالتدخين مثلا، واعتادوا على ذلك وادمنوا عليه، أوجه دعوة لهم بمناسبة هذا الشهر الكريم أن يحاولوا جادين للإقلاع عن هذه الأمور  المحرمة مستغلين هذا الشهر المبارك بما يفرضه عليهم من كسر شهوة أنفسهم، مستغلين فترات إجابة الدعاء ليرفعوا أيديهم سائلين الله إن يعافيهم مما ابتلاهم به، والله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، وأوجه دعوة صادقة ليرأفوا بأنفسهم وأجسادهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم فخطر هذه الأمور عظيمة وشرها كبير .

أخي المسلم: ومن طرق الوقاية أيضا الاعتدال في المطعم والمشرب ومن ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم  من آثار في ذلك ومنها: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ».

ومنها: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي لا يتسع المجال لسردها.

ثالثًا: ومن منهج الإسلام الصحي : الإيمان التام بأن ما حصل للإنسان من أمراض ونحوها بعد أخذه بالأسباب ما هو إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى ولا يزيل هذا المرض إلا هو سبحانه وتعالى، فإذا قابل المريض هذا المرض بهذه العقيدة بكون مرضه أجرا وثوابا له، روى البخاري ومسلم عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه  أنه قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها».

وروى البخاري أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».

ومع ذلك أمرنا بالأخذ بالأسباب قبل وقوع المرض بالوقاية منه وبعد وقوعه، وشرع لنا التداوي بما أحله الله لنا. روى مسلم عن جابر مرفوعا: «لكل داء دواء فإن أصاب دواء الداء برأ بإذن الله»، والآثار في هذا كثيرة ومن أهم طرق العلاج قبل المرض وبعده الصيام فرضا وفلا فلله الحكمة البالغة وهو سبحانه العليم الحكيم، وأسأله سبحانه أن يرزقنا العفو والعافية في الدنيا والآخرة، إنه سميع قريب .