بحث عن بحث

الدرس الرابع والعشرون

الزكاة والإنفاق: أحكام وآداب

الحمد لله فرض الزكاة تزكية للنفوس وتنمية للأموال، ورتب على الإنفاق في سبيله الثواب العظيم، وبخاصة في هذا الشهر الكريم، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن من هدي النبي  صلى الله عليه وسلم : أنه كان جوادا كريما أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان، ذلك لأن السيئات تمحى والحسنات تضاعف وتزاد، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه  قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. وزاد الإمام أحمد في رواية: «لا يسأل عن شيء إلا أعطاه». ومما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هديه الصدقة، قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئا أعطاه الله تعالى ولا يستقله. وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا، وكانت صدقته بما يملكه وبماله وبقوله فيخرج ما عنده، ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعوا إليها بحاله وقوله، فإذا رأى البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء.

وكان هديه  صلى الله عليه وسلم : يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى معقبًا على هدي النبي  صلى الله عليه وسلم : (إذا فهمت ما تقدم من أخلاقه  صلى الله عليه وسلم  فينبغي للأمة التأسي به  صلى الله عليه وسلم  في السخاء، والتمسك بالإقتداء به، والإكثار من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل الكثيرين منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، ولشرف الزمان، ومضاعفة أجر العامل فيه، وإعانة الصائمين والقائمين والمتعبدين على طاعتهم فيكتب له مثل أجورهم).

أخي المسلم: وإن من أعظم الحقوق المالية على الإنسان، والتي اعتاد كثير من الناس شهر رمضان موضعا لصرفها وتوزيعها تلكم هي الزكاة المفروضة، الركن الثاني من أركان الإسلام واحد مبانيه العظام وقرينة الصلة في المنزلة والأحكام وقد ذكرت في القرآن أكثر من مائة مرة وما ذاك إلا لعظم شأنها وعلو مكانتها، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[المزَّمل:20] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] ولذا رتَّب الله سبحانه وتعالى الفضل العميم والثواب الجزيل على إخراجها، وجعلها خلفًا عاجلًا في الدنيا، وآجلًا في الآخرة، يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، وجعل الحسنات فيها تضاعف أضعاف كثيرة، يقول جل من قائل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

أخي المسلم: وكما أن لدافع الزكاة أجرا عظيما وثوابا جزيلا فإن مانع الزكاة قد ارتكب جرما كبيرا وإثما عظيما في الدنيا والآخرة، وقد عرف صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  هذا المعنى، فقد قاتل أبو بكر رضي الله عنه  من منع الزكاة التي كان يؤديها إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: لما توفى رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو بكر رضي الله عنه ، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا شهادة أن لا إله إلا الله فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل»، فقال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا، وفي رواية: عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها» قال عمر: (فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه  فعرفت أنه الحق).

والوعيد في الآخرة أشدّ كما روى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فاحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وظهره كلما بردت أعبدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».

وهذا النص الصريح مصداق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34].

أيها المسلمون: أخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم تكون طهرة لكم وتزكية لقلوبكم وأمانا لأموالكم وطهرة وتنمية لها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:103].

أدوا زكاة أموالكم تكون جنة لكم عن الناس كما قال الرسول  صلى الله عليه وسلم : «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» أدوا زكاة أموالكم لتسلموا من عواقبه الوخيمة كما قال الرسول الله  صلى الله عليه وسلم : «من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره»، وأدوا زكاة أموالكم قبل أن تذهبوا عنه أو يذهب عنكم فيكون عليكم غرمه ولغيركم غنمه كما صحَّ عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «يقول العبد: مالي مالي! وإما له من ماله ثلاث: أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأقنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس»، وصح عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أيضًا أنه قال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله»؟ قالوا: يا رسول الله ما منَّا أحد إلا ماله أحبّ إليه، قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر»، أدوا أموالكم تغفر لكم ذنوبكم وتضاعف حسناتكم يقول تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271] .

اغتنموا هذا الموسم العظيم فهو موسم تجارة رابحة يتنافس فيه المتنافسون، فأكثروا من الزكاة والصدقة والإنفاق لتزكي أمولكم وتطهر نفوسكم وتسدوا حاجات إخوان لكم، وتشاركوا في غزو أعدائكم وتتعارفوا على البر والتقوى، فاليوم عاملون وغدا محاسبون ومجزيون.

أسأل الله الكريم أن يغفر لنا في هذا الشهر الكريم وأن يعفوا عن زلاتنا وأخطائنا إنه سميع قريب وهو المستعان