بحث عن بحث

درس الثالث والعشرون

مواقــف فـي رمضــان

الحمد لله الذي أمرنا بالإقتداء بسيد الأبرار، ونهانا عن التشبه بالفجار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أخي المسلم: تحدثنا في الدرس السابق عن سيرة النبي  صلى الله عليه وسلم  في العشر الأواخر وعرفنا أنه يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها فيشد مئزره ويحيي ليله ويوقظ أهله لعبادة الله جل وعلا، ولاغتنام هذه الفرصة العظيمة التي قد لا تعود مرة أخرى، وفي هذا الدرس لنا وقفات مع سيرته صلوات الله وسلامه عليه مما ينبغي أن نتذكره ونعيه ونعمل به في واقع حياتنا ونحن نعيش هذه الأيام الفاضلة وهذه الليالي الشريفة المباركة .

أخي المسلم: مما يذكرنا به شهر رمضان المبارك فتح مكة المكرمة، البلد الأمين، والتي كان في السنة الثامنة الهجرة، فطهرها الله بهذا الفتح من الوثنية فصارت بلدا إسلاميا حل فيها التوحيد محل الشرك والإيمان محل الكفر، ومما وقع في قصة الفتح أو رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لما دخل مكة أعلن أن من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق عليه بابه فهو آمن، ثم مضى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حتى أتى المسجد الحرام فطاف به على راحلته وكان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم فجعل  صلى الله عليه وسلم  يطعنها بقوس معه ويقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [سبأ:49]، والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم دخل  صلى الله عليه وسلم  الكعبة فإذا فيها صور فأمر بها فمحيت ثم صلّى  صلى الله عليه وسلم  فيها، فلما فرغ دار فيها وكبر في نواحيها ووحد الله عز وجل، ثم وقف على باب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ماذا يفعل، فأخذ بعضادتي الباب وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، صدق عبد وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحُجُرات:13]، يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم . قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء. أ . هـ . 

أخي المسلم: في هذا الجزء من قصة الفتح وقفات عظيمة ينبغي للمسلم أن يقف عندها طويلا متدبرًا ومتذكرًا وعاملًا ومطبقًا. فحياتنا اليوم تخلو من هذه الصور مما يجب أن نستفيد من مثل هذه السيرة العطرة، ولنا في رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قدوة حسنة.

الوقفة الأولى: تتجلى في احترام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لبيت الله الحرام، حيث أعلن أن من دخله كان آمنا، فبيت الله الحرام أمان منم كل شيء، وينبغي أن يكون كذلك إلى أن تقوم الساعة، ولم يزد صلوات الله وسلامه عليه لما دخل المسجد الحرام إلا أن حطم معالم الشرك والوثنية معلنا صلوات الله وسلامه عليه أن العلو للحق وإن طال الزمن أو قصر، وإن العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وهذه عقيدة المسلمين توحيد الله عز وجل فرمضان يذكرنا بهذه الصورة العطرة فهل من أرد الإخلال بهذا الأمن والأمان وبهذا التوحيد يكون مسلما حقا ومؤمنا حقا .

إن السيرة الرسول  صلى الله عليه وسلم  تذكرنا بأن فعل ذلك ما هو إلا مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه ومخل بهذه الشعيرة العظيمة فينبغي أن يحاسب على ذلك، وأن يبقى بيت الله أمانا للقائمين والعاكفين والركع السجود.

الوقفة الثانية: إعلان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نفي الجنسيات والقوميات والعصبيات والعرفيات، أصل الناس واحد، أبوهم واحد، لا تفاضل بينهم على أساس اللون أو الجنس أو القبيلة ونحو ذلك : «يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب»، فالأصل واحد تفرع عنه شعوب وقبائل وأجناس والألوان جعلوا كذلك ليتعارفوا فلا تفاضل بينهم إلا على أساس تقوى الله عز وجل وتوحيده وعبادته فأقربهم إلى الله أتقاهم وأخشاهم له. إذن فقاعدة التفاضل بين الناس: تقوم على تقوى الله عز وجل ولهذا جاء ذكر هذه الكلمة بصيغ متعددة في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة، وعلى هذا فميدان السباق والمنافسة هو تقوى الله عز وجل، وما شرعت العبادات إلا للتوصل إلى تقوى الله سبحانه وتعالى ومنها الصيام كما جاء ذلك في وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131]، وهي وصية رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لأمته كما في قوله صلوات الله وسلامه عليه: «اتق الله حيثما كنت».

الوقفة الثالثة: وهي صورة عظيمة، وموقف نبيل من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يلقنه لأمته، وعلامة فارقة يعرفون بها عن غيرهم عندما أعلن صلوات الله وسلامه عليه عفوه وتسامحه عن بني قومه الذين آذوه وطردوه وعذبوه وشردوه وخذلوه: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم» وهو في موقف المنتصر، وموقف الآمر، ومن بيديه مجازاتهم في لحظتهم تلك ولو بقطع رقابهم، يتوسلون إليه بقولهم : أخ كريم وابن أخ كريم، فيعلن صلوات الله وسلامه عليه: «أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

تقف الشحناء والبغضاء في عالم اليوم وعلى مستويات متنوعة بين الأفراد بعضهم البعض، والأسر فيما بينها، والمجتمعات الإسلامية وغير ذلك. هل لنا ونحن نعيش في رمضان ونتذكر تلك الصور العظيمة أن نصفي قلوبنا من أحاقدها وأضغانها، وأن نعلن الصفح والعفو عن كل من أساء إلينا، ونحل المحبة والمودة بدل البغضاء والعداوة، هلا نتذكر قوله سبحانه وتعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، وهل نستجيب لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  عندما قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله».

أيها الإخوة المسلمون: ونحن نقدم هذه التعاليم نقدمها لا للتجميد والذكرى فحسب والندم على الماضي إنما دعوة لتصفية القلوب من شوائبها وزرع المحبة والمودة والصفاء والنقاء وخاصة في هذه الأيام المباركة .

أسأل الله سبحانه أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، إنه سميع قريب.