بحث عن بحث

الدرس الثاني والعشرون

ليلة القدر خير من ألف شهر

الحمد لله الذي أكرمنا بليلة القدر، وجعلها خير من ألف شهر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير من صلى وصام، وقام خير القيام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد :

لا زلنا نعيش في هذه الأيام والليالي المباركة التي هي العشر الأخيرة من رمضان، والذي كان يخصها المصطفى  صلى الله عليه وسلم  بشيء من العبادة ليست في غيرها. اسمعوا ما كانت تحدث به عائشة ك عن حاله  صلى الله عليه وسلم  فيما رواه مسلم في صحيحه  قالت: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.

وفي الصحيحين عنها ك أنها قالت: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، شد مئزره: أي اعتزل نساءه ليتفرغ للصلاة والذكر، وأحيا ليله بالقيام والقراءة والذكر بقلبه ولسانه وجوارحه، ويوقظ أهله ليشتغلوا بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والتضرع لرب العالمين، كل ذلك حرصا منه  صلى الله عليه وسلم  على اغتنام هذه الليالي المباركة بما هي جديرة به من العبادة فإنها فرصة العمر، وغنيمة لمن وفقه الله عز وجل للخير، وعلى هذا فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوت هذه الفرصة العظيمة، وهذه الليلي الثمينة على نفسه وأهله، فما هي إلا ساعات قصيرة وليال معدودة، ربما يدرك فيها الإنسان نفحة من نفحات المولى عز وجل فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة .

أخي المسلم: ويزيد هذه الليلي شرفا، ويرفع من قدرها قدرا أن أنعم الباري جل وعلا على عباده المؤمنين بأن جعل فيها ليلة خيرا من ألف شهر، نعم ألف شهر، ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر، نعمة أعظم بها من نعمة، ومنحة أعظم من منحة وفرصة زبانية لا يوفق لها إلا المخلصون لله أعمالهم العاملون للصالحات التائبون لربهم الخائفون منه سبحانه الراجون لرحمته ومغفرته.

يقول فيها جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴿3 فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿4 أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿5 رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿6 رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴿7 لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ[الدخان:3 ـ 8]  ليلة القدر ليلة مباركة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها، ففيها أنزل القرآن العظيم، وفيها يفصل من اللوح المحفوظ ما هو كائن من أمر الله سبحانه وتعالى في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخير والشر وغير ذلك من كل أمر حكيم، وهي خير من ألف شهر في الفضل والبركة والشرف وكثرة الثواب والأجر، وفيها تتنزل الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة ربهم ولا يستحرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترن، يتنزلون إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة، وهي سلام للمؤمنين من كل مخوف لكثرة من يعتق فيها من النار، وسلم من عذابها، وفيها تغفر الذنوب، وتقال العثرات، ويعفى عن الزلات، ويستجاب الدعوات، لمن قام في تلك الليلة مؤمنا بربه، واثقا من عطاياه محتسبا الأجر والثواب مخلصا النية، مقتديا بالمصطفى  صلى الله عليه وسلم  .

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  أنه  صلى الله عليه وسلم  قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».  

أخي المسلم: وقد جاء بيان هذه الليلة بأنها في العشر الأواخر من رمضان يقول عليه الصلاة والسلام: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه، وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع فقد روى البخاري وغيره أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، وفي السبع الأواخر منه أقرب لما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنه  أن رجالا من أصحاب النبي أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «أرى رؤياكم قد تواطأت – يعني اتفقت – في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»،                   وأقرب أوتار السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه  أنه قال: «والله إني لأعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بقيامها هي ليلة سبع وعشرين»[رواه مسلم] .

وذكر أهل العلم أن ليلة القدر لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام بل تنتقل من عام لآخر، وقد أخفى الله سبحانه وتعالى علمها على العباد رحمة بهم ليكثروا عملهم في طلبها في تلك الليلة الفاضلة كلها بما يقربهم إليه سبحانه من الصلاة والذكر والدعاء والصدقة وقراءة القرآن والبر وإعانة المحتاج وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

أخي المسلم : إنها فرصة قد لا تمر على الإنسان مرة أخرى فاجتهد غاية جهدك غاية جهدك فيها وقدم ما تستطيع تقديمه.

أيها الأب والأم : لا تنسوا أنفسكم وأولادكم في هذه الليالي المباركة واقتدوا بنبيكم الذي كان يحيي ليله ويوقظ أهله، وكفى التفريط فيما مرَّ من سالف العمر.

أيها التاجر: ولعل في هذه الليلة المباركة وقفة حساب مع نفسك لتراجع أموالك، وتجدد حساباتك فيخفف حساب غد يوم القيامة .

أيها الموظف والمستأجر : اغتنم هذه الليلة الشريفة العظيمة لتصحح ما وقعت فيه من زلات وأخطاء .

أيتها المرأة المسلمة: راجعي علاقتك مع ربك جل وعلا فيما أوجب الله عليك، واجعلي هذه الليلي المباركة خطوة تتقدمين بها إلى الأمام .                

أسأل الله جل وعلا أو لا يحرمنا أجر هذه الليلة المباركة، وأن يجعلنا من السابقين إلى الخيرات، المخلصين للنيات، المبتعدين عن المنكرات، والمقدمين الأعمال الصالحات، والآمنين في الغرفات مع الذين أنعم الله عليهم ووقاهم السيئات، إنه سميع مجيب الدعوات.