بحث عن بحث

الدرس العشرون

الدعاء: فضائل وآداب

الحمد لله الذي يجعل بعد الشدة فرجا، وبعد الضيق مخرجا، وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه، وعلى من اتخذ طريقهم مسلكا ومنهجا، أما بعد:

تقبل الله صيامكم وقيامكم وختم شهركم بمغفرة ورضوان.

أيها الإخوة والأخوات: تحدثنا في الدرس السابق عن فضل الذكر وما أعده الله تعالى للذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، وعرفنا سيرة سلفنا الصالح تجاه هذه الشعيرة المباركة، ونستعرض في هذا الدرس نوعا خاصا من الذكر، دعا الله سبحانه وتعالى إليه، وحثّنا على التمسك به، ورغبنا الرسول  صلى الله عليه وسلم  فيه، وعلمنا آدابه وسننه، ذلكم هو الدعاء.

والدعاء أخي المسلم من أخص خصال الدين، ومن أعظم القرب إلى رب العالمين، وبه يدرك العبد مصالح الدنيا والدين، ولذا جاءت النصوص الكثيرة في الحثِّ عليه والترغيب فيه، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[البقرة:186].

أخي المسلم: إن المؤمن وهو يعيش في وسط هذه الحياة المليئة بالملهيات والمغريات يلتمس وسيلة تسكن إليها نفسه، ويطمئن إليها قبله، فيجدها في كتاب الله عز وجل، حيث يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد:28]. فعمر الإنسان محدود، وسوف يكون عليه حسرة وندامة إذا لم يعمره بالذكر والدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى.

إن دعاء الله سبحانه وتعالى هو العبادة الروحية التي يحس فيها المخلوق بعظمة الله تعالى الخالق، حيث يلجأ العبد إلى ربه بعد أن تنقطع عنه الأسباب، وتعجز عنه الحيل، فيتوجه إلى خالقه سبحانه وتعالى لينال الشعور بالطمأنينة والراحة والأمن والسكينة. فالدعاء من أعظم العبادات، وأكرم الأشياء على الله تعالى، فقد روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء».

وكما أن الدعاء عبادة يؤجر فاعلها، فهو كذلك يفيد في تعجيل الخير وصرف الشر، والدعاء كله خير. روى أحمد، والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا : إذا نكثر، قال : الله أكثر».

أخي المسلم الكريم: اعلم أن للدعاء جملة آداب نذكر بعضًا منها:

1- أن يدعو العبد مخلصا لله عز وجل في دعائه، فالدعاء هو العبادة- كما سبق- فيدعو الله وحده لا شريك له، ولا يدعو عيره، مثل من يستغيث بالصالحين أو الأموات فيدعوهم مع الله تعالى، أو يطب منهم المدد والعون أو شفاء المرض ونحو ذلك، فهذا كله قد يحال بين العبد وبين إجابة دعائه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

2- أن يحرس الداعي على التذلل لله عز وجل والخضوع له، ويظهر فاقته وحاجته إلى ربه بخشوع وتذلل وانكسار قلب، فإن ذلك مقرب إلى الله عزَّ وجل.

3- ومن أعظم أسباب قبول الدعاء: طيب المطعم والمشرب والملبس، فإن لهذا أثرا بالغا في قبول الدعاء، ولعكسه أثر بالغ في منع إجابة الدعاء.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[البقرة:172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟».

4- أن يحرص الداعي على الأوقات والأمكنة الفاضلة، ومنها المساجد بعمومها، وفي حالة يكون العبد فيها منفردا، وشهر رمضان المبارك، وثلث الليل الأخير، ويوم الجمعة وغيرها، ومن النصوص في ذلك: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «يزل ربنا كل ليلة على السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟».

5- ألا يستعجل العبد بالدعاء ويستبطئ الإجابة، فيدعو مرة وأخرى لا يرى إجابة ظاهرة أمام غينيه فيقول: دعوت ولم يستجب لي، وعليه أن ينزه دعاءه من الإثم وقطيعة الرحم.

فقد روى مسلم وغيره عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل»، فقالوا يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: «يقول: دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عن ذلك ويدع الدعاء».

وفي الصحيح عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها»، قالوا: يا رسول الله إذاً نكثر، قال: «الله أكثر».

أخي المسلم: اجتهد في الدعاء لنفسك ولوالديك، ولعائلتك وولاة الأمر، ولزوجك وذريتك ومجتمعك ولإخوانك المسلمين، ادع بظهر الغيب لهؤلاء، فإن دعوة المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجابة، واعلم أن دعوة الوالد لولده مستجابة، فأكثروا منها وألحوا على الله عز وجل وبخاصة في هذه الأيام المباركة، أيام العفو والمغفرة، فالله سبحانه وتعالى حي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا، وابدأ دعاءك بالثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على رسوله، رافعا يديك، وتعلم أن الأدعية الجامعة لكل وقت  ولكل حالة دعاء مأثور.

أسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، إنه قريب مجيب.