بحث عن بحث

الدرس التاسع عشر

الذكر : أحكام وآداب

الحمد لله الذي أعد للذاكرين الله والذاكرات مغفرة وأجرا عظيما، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليما كثيرا، أما بعد:

فقد تحدثنا في دروس سابقة عن أفضل الذكر القرآن الكريم وبيان فضله وآداب قراءته واستماعه وضرورة العمل به والتأدب بآدابه، و في هذا الدرس نستعرض عملا من الأعمال الفاضلة في كل زمان ومكان ومما يتأكد فضله في هذا الشهر المبارك، ذالكم هو ذكر الله جل وعلا بالقول والعمل، وذكر الله سبحانه قد ورد الحث عليه في كتاب الله الكريم في آيات كثيرة وبصيغ متعددة، وبأساليب متنوعة، وكذا في السنة النبوية القولية والعملية بالأمر ما به تارة والحث عليه تارة، وأخرى ببيان ما أعده الله للذاكرين، وتارة بالنهي عن المشاغل التي تلهي عنه وغير ذلك.

اسمعوا قوله سبحانه وتعالى آمرا المؤمنين بذكره: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿41 وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿42 هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ][الأحزاب:41- 43] ويقول سبحانه [ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً] [الأعراف:205] ويقول جل من قائل: [ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ] [الجمعة:10] وفي آيات أخرى يثني سبحانه على أهل الذكر ويبين جزاءهم وما أعده لهم من الثواب العظيم، يقول سبحانه: [وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ][الأحزاب:35] كما توعد سبحانه اللاهين عن ذكره بالخسارة والهلاك، يقول سبحانه: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ][المنافقون:9] .

وقد بين سبحانه وتعالى أنسر الطاعات وروحها ذكر الله حيث جعله مصاحبا لجميع الأعمال، فقد قرنه بالصلاة فقال سبحانه: [ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي]  [طه:14]  وقال تعالى: [ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ] [النساء:103] وقال سبحانه عن صلاة الجمعة :     [ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ]  [الجمعة:10].

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم  في شأن الحج: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» وجعله سبحانه وتعالى مصاحبا للمقاتل عند ملاقاة عدوه، يقول جل وعلا: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ][الأنفال:45] .

أخي المسلم: إن فضائل الذكر وفوائده كثيرة جدا لا يتسع المقام لحصرها وذكرها لكن نكتفي بذكر شيء منها، فمن أهمها:

أن عاقبته دخول الجنة، روى أبو داود وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه  أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ».

ومن هذا المنطلق يحثنا المصطفى صلى الله عليه وسلم  على تلقين الإنسان عند الاحتضار شهادة أن لا إله إلا الله وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه   أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله».

أخي المسلم: لقد أوضحت السنة الشريفة أنواع الذكر وجزاء كل نوع، وأذكر بعضا منها: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، وسبحان لله العظيم».

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس».

وروى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل».

وروى الشيخان أيضًا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة : لا حول ولا قوة إلا بالله».

ومن أنواع الذكر: الاستغفار في كل وقت ويتأكد في الزمان الفاضل، والمكان الفاضل، يقول سبحانه وتعالى في بيان صفة المؤمنين المتقين: [ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ][آل عمران:17] وقال سبحانه: [ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ][المائدة:74] وقال نوح عليه السلام: [ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿10 يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿11 وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ] [نوح:10- 12] ويقول سبحانه: [ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا][النساء:110] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  ملازما للاستغفار ملازمة تامة، فقد روى مسلم وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه  أنه قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم  في المجلس يقول: «رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم» مائة مرة. وعن الأغر المزني رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» .

أخي المسلم: إن أعظم ما شغل العبد نفسه فيه ذكر الله دائما وأبدا لما روى أبو داود رحمه الله عن أبي الدرداء رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال:«ذكر الله» .

أيها الصائمون والصائمات: إن الناظر في واقعنا تجاه هذه الشعيرة المباركة الفاضلة يجد تقصيرا بينا وغفلة واضحة عن ذكر الله، تجد المجالس العامرة بالقيل والقال، والغيبة والنميمة والمزاح الكثير والضحك المميت للقلب وغير ذلك مما تشغل به أوقات الشيب والشباب، والرجال والنساء، كما نجد الاشتغال بالملهيات بأنواعها وكل هذا مما يصد عن ذكر الله تعالى .

أخي المسلم: إن شهر رمضان فرصة عظيمة لتدارك ما مضى من التقصير في سالف العمر، وفيما بقى منه استدراك لما فات، فهلا وقفة مع النفس لمحاسبتها على ما ضيعت من أوقات، وما اشتغلت به عن ذكر الله .

إن شهر رمضان موسم لتجارة رابحة بالذكر وقراءة القرآن والدعاء والصلاة والصدقة وإعانة المحتاجين وغيرها، وبخاصة ونحن نستقبل العشر الأواخر من رمضان، فأين المتنافسون؟

أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا منهم وأن يعفو عن زللنا وتقصيرنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه قريب مجيب.