بحث عن بحث

الدرس السابع عشر

أحكام وآداب القرآن الكريم ( 3 )

الحمد لله كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأصلي وأسلم على نبينا محمد سيد البشر، وعلى آله وأصحابه الميامين الغرر، وعلى من سار على نهجهم سائر الأيام والدهر. أما بعد:

لقد تحدثنا في الدرس السابق عن بعض الأحكام والآداب التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها تجاه كتاب الله سبحانه وتعالى، فعرفنا أن من أهمها إخلاص القراءة لله عز وجل، فالقراءة عبادة والعبادة لا تكون مقبولة إلا بأن تخلص للمعبود سبحانه ومن الآداب أيضا أن يقرأ القارئ بتدبر وخشوع وتذلل وخضوع كما كان يقرأ المصطفى صلى الله عليه وسلم  وصحابته الكرام، وكما نعت الله سبحانه عباده المؤمنين الذين إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا.

وفي هذا الدرس نكمل بقية الأحكام والآداب ومنها:

1- أن يقرأ القارئ بقلب حاضر غير مشغول، ويستحضر حال قراءته أن الله سبحانه وتعالى يخاطبه وحده بهذا القرآن، فهب نفسك أخي المسلم وأنت تصغي لحديث مسؤولك في العمل – ولله المثل الأعلى – كيف تكون جوارحك كلها حال إلقاء تعليماته وتوجيهاته إليك؟ لا شك أن ستصغي حواسك وإرهاف سمعك ما يلقي هذا المسؤول. فتصور نفسك أخي المسلم عند قراءتك لكتاب الله عز وجل أن الله جل وعلا يخاطبك ويلقي إليك توجيهات وآداب وزواجر، وقصص وأخبار، ووعد ووعيد، فما أنت فاعل؟!

2- ومن الأمور المعينة على التدبر أيضًا أن القارئ إذا مر بآية وعد ورحمة وقف عندها وسأل الله المغفرة والرضوان وسأل الله الكريم من فضله وجوده وإحسانه، وإذا مر بآية فيها وعيد للمجرمين أو عذاب أن يستعيذ بالله من شر هذا العذاب ويسأل الله العافية منه، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله جل وعلا وتعظيم نزه سبحانه.

كأن يقول: سبحانه وتعالى، أو تبارك وتعالى، أو جلت عظمة ربنا ونحو ذلك.

روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه  أنه قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى،  ثم افتتح النساء فقرأها، يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع.

3- ومن الأمور المعينة أيضا على التدبر والخضوع: أن لا يقرأ القارئ بسرعة مذهلة وعجلة تفوت التدبر، بل عليه أن يتأنى بقراءته ويرتلها وبالتالي يستطيع أن يتدبر وأن يتفهم، يقول الله جل وعلا: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ] [المزَّمل:4].

وروى البخاري عن قتادة طأنه قال: سئل انس كيف كانت قراءة النبي  صلى الله عليه وسلم ، فقال مدا مدا، ثم قرأ: [ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم .

روى أحمد والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يقال لصاحب القرآن اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها» وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه  أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقرأ سورة الفتح، يرجع في قراءته).

وجاء التحذير من العجلة في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم  وأفعاله وأحوال سلف الأمة، روى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» وتقول عائشة رضي الله عنها فيما رواه مسلم وغيره: «ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم  قرأ القرآن في ليلة» تشير بهذا إلى أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم  وهو معلم البشرية وهاديا إلى الخير، لم يكن يسرع في قراءته، فهو لا يهذُّه كهذَّ الشعر .

وروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه  أن رجلا قال له: (اقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال ابن مسعود كهذ الشعر، إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب رسخ فنفع) .

وروى الآجري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة).  وجاء نحوه عن ابن عباس رضي الله عنه  قال: (لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله).

 يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه والق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من يتكلم به منه إليه فإنه خطاب منه لك، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، يقول تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ][ق:37].

أخي المسلم شهر رمضان شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن، هل نقرأ القرآن قراءة متأنية مرتلة ننتفع بها، هذا هو المطلوب من كل مسلم، فينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله والناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون وبورعه إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، قاله ابن مسعود رضي الله عنه  فلنا عبرة بحال سلفنا الصالح التي هكذا كانت حالهم، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا حفظ كتابه، وتدبره وأن يجعله شاهدا لنا وليس شاهدا علينا، إنه قريب مجيب .