بحث عن بحث

الدرس السادس عشر

أحكام وآداب القرآن ( 2 )

الحمد لله حمدا يليق بجلاله وعظمته، وأشكره على عظيم نعمائه وآلائه، وأصلي وأسلم على صفوته من رسله وأنبيائه، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:

أخي المسلم: تحدثنا في الدرس السابق عن فضل كتاب الله تعالى وما ورد فيه من النصوص الكثيرة من القرآن والسنة، وعرفنا منزلة قارئ القرآن، وما أعده الله له في الدنيا والآخرة، والوعيد الشديد لمن هجره ولم يقرأه ويتدبره ويعمل به، وفي هذا الدرس نواصل الحديث عن كتاب الله سبحانه وتعالى .

أخي المسلم الكريم: لقد نعت الله جل وعلا القرآن الكريم بأوصاف عدة، حري بالمسلم أن يقف عندها ليرى عظمة هذا الكتاب العظيم، وليدبروا ما فيه من الآيات والذكر الحكيم، يقول جل وعلا: [ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ] [البقرة:185]ويقول جل وعلا: [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا]  [النساء:174]، ويقول سبحانه: [ يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿15 يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ] [المائدة:15-16] ويقول عز من قائل: [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ  ][يونس:57] ويقول جل وعلا : [ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] [الفرقان:1] ويقول جل وعلا : [ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ] [ص:67]وغير ذلك من الآيات كثيرة جدا لا يتسع المقام لحصرها، فهو هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان، وبرهان من الله جل وعلا، ونور مبين، هاديا للناس سبل السلام، وهو موعظة، وشفاء لما في الصدور ورحمة للمؤمنين، وهو فرقان ونبأ عظيم إلى آخر ذلك من الأوصاف العظيمة التي ينبغي أن يقف المسلم أمامها متدبرا ومتأملا هذا الكتاب العظيم، وليؤدي ما عليه تجاهه، ولذا ينبغي للمسلم أن يتأدب مع كتاب الله سبحانه وتعالى عند تلاوته، وعند استماعه وأن يعظمه أيما تعظيم، وأن يبتعد عن هجره، ولعلنا نفصل القول الأهم في هذه الآداب:

من آداب تلاوته: استحضار المسلم إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، ويقرأه متدبرا ليعمل به، ويتمثل أوامره، ويجتنب نواهيه ويقف عند حدوده، ويتعظ بأخباره ويتذكر أن تلاوته عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى بل من أفضل القرب التي يتقرب بها العبد إلى خالقه ومولاه، والعبادة أول ما تحتاج إلى التجرد والإخلاص. قال تعالى: [فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ][غافر:14]. وقال سبحانه : [ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاء ] [البيِّنة:5]، والأعمال بالنيات.

وليحذر القارئ أن تكون قراءته لمجرد سماع فلان له، أو ليقال قارئ أو ليبتغي به عرض من الدنيا، كما يفعل ذلك بعض من القراء فيتزينون به في محافل الأعياد والعزاء والمواسم وغيرها، فإن في ذلك خطر عظيما، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم  أن أول من يدخل النار ثلاثة وذكر منهم رجل قرأ القرآن وأقرأه فيؤتى به يوم القيامة، ويسأل عن قراءته فيقول: يا رب قرأت فيك القرآن، وفي رواية: تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقال كذبت ولكنك قرأت القرآن ليقال قارئ وقد قيل فيكب في النار على وجهه أو قال على مناخره».

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم  محذرا من هذا الأمر: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله من قبل أن يأتي من يقيمونه، لإقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه»رواه أحمد، والمراد أنهم يطلبون أجرهم عاجلا في الدنيا من قراءتهم والعياذ بالله .

ومن أهم الآداب لقراءة القرآن الخشوع والخشية والتدبر والبكاء وهذه صفة سلف الأمة عند قراءتهم، يقول سبحانه وتعالى مبينا حال الخاشعين عند تلاوة كتاب الله [ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿107 وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴿108 وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ] [الإسراء:107-109] ويقول سبحانه اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ][الزُّمَر:23] بل ذكر الله سبحانه أن الجمادات تتصدع من هذا الكتاب العظيم، يقول سبحانه: [ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [الحشر:21]، وهكذا كان حال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه عندما يتلو القرآن أو يسمعه.

روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إقرأ علي» قلت: أأقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال: «فإني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت من سورة النساء إلى هذه الآية: [ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ][النساء:41] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  «حسبك الآن» فالتفتُ إليه فإذا عيناه تذرفان. أي من الدمع. وروى أصحاب السنن وغيرهم عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يصلي وفي صدره أزير كأزير المرجل ­­­­من البكاء .

وروى مسلم في صحيحه أنه لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم  وجعه قيل له: الصلاة فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» قالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، قال: «مروه فليصل». والآثار في هذا الباب كثيرة جدا، من حال السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، فعلينا أن نقتدي بهم ونتشبه بفعالهم إن التشبيه بالكرام فلاح.

لكن الناظر إلى أحوال كثير من المسلمين ليأسف كل الأسف لهجر كتاب الله تعالى ومن يقرأه يقرأه غالبا قراءة عاجلة غير متأنية خالية من الخشوع والخضوع والتدبر فضلا عن البكاء.

أيها المسلم الكريم: وإن شهر رمضان فرصة يجب أن يقف الإنسان فيها ليراجع أعماله وطريقته ومنهجه في حياته، ومن ذلك موقفه مع كتاب الله عز وجل، فلتكن قراءتك قراءة فهم وتدبر، قراءة خشوع وخضوع، قراءة عظة وعبرة، قراءة من يريد الاتعاظ والعمل.

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من القارئين لكتابه، المنفذين أوامره، والواقفين عند حدوده، والمتعظين بأخباره، إنه قريب مجيب.