بحث عن بحث

الدرس الخامس عشر

أحكام وآداب القرآن الكريم ( 1 )

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم أجرا حسنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد تحدثنا في الدرس السابق عن فضل قيام الليل وصلاة التراويح في رمضان وعرفنا ما أعده الله جل وعلا للقائمين من مغفرة الذنوب وتكفير السيئات والعفو عن الزلات ورفعة الدرجات. وفي هذا الدرس نواصل الحديث عن الأعمال التي ينبغي للمسلم أن يلازم عليها في حياته عامة وفي شهر رمضان المبارك بخاصة.

ومنها ذكر الله عز وجل، وأفضل الذكر قراءة القرآن الكريم الذي أنزله الله جل وعلا في شهر رمضان وفي ليلة القدر منه.

أخي المسلم الكريم: قد وردت نصوص كثيرة متعلقة بالقرآن الكريم في الحث على قراءته وتدبره، وفي حفظه والعمل به، واستحباب ترتيله، وبيان آدابه، وما ينبغي لحامله وغير ذلك من الأحكام والآداب نعرضها في هذا الدرس وما بعده من الدروس – يقول سبحانه في فضل التالين لكتابه المتدبرين له: [ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ][فاطر:29] ويقول سبحانه وتعالى آمرا بتلاوة كتابه/ [ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ][الكهف:27].فتلاوة القرآن الكريم من أفضل العبادات وأعظم القربات وأجلّ الطاعات ولا سيما في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الحسنات وتكفر فيه السيئات.

روى البخاري ومسلم عن عثمان بن عفان t أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وروى البخاري أيضا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران » .

وذكر أهل العلم أن الأجرين أحدهما على القراءة، والثاني على مشقتها على القارئ، والقرآن الكريم مع ما في قراءته من الأجر العظيم إلا أنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصاحبه، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه  أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ».

ومما ورد في فضل قراءة القرآن: ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري t أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» .

ولتفصيل الحسنات التي ينالها القارئ المتدبر لكتاب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم  فيما رواه ابن مسعود t «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى، فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» رواه الترمذي وغيره .

وقد ورد الوعيد لمن هجره ولم يقرأه أو لا يحفظ شيئا منه، روى الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب».

أخي المسلم الكريم: إذا كان هذا الفضل في قراءته فالشأن في تدبره أعظم. يقول الله تعالى: [كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ] [ص:29] ويقول سبحانه وتعالى في معرض الإنكار على من لم يتدبر القرآن [ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا][محمد:24].

وهكذا كانت حياة السلف رضوان الله عليهم مع القرآن الكريم، يتلونه حق تلاوته، بتدبر وتمعن، يتلونه للعلم والعمل به في واقع حياتهم، ومصدقين به ومؤمنين، يقول أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم  عشر آيات لم يتجاوزها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا .

ولا شك أخي المسلم أن الغاية من القراءة التدبر والعمل، فهذا هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن، وهو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، يقول سبحانه وتعالى: [ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿124 قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿125 قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿126 وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى] [طه:124-127].

أيها المسلم الكريم: حافظ على كتاب الله تعالى، واحفظه قبل فوات الآوان، وبادر بالتدبر والعمل والوقوف عند حدوده، وقبل أن يقول القائل: [ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿28 لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ][الفرقان:28-29]. 

رزقني الله وإياكم تلاوة كتاب الله حق تلاوته، وجعلنا من أهل النعيم والسعادة في الدنيا والآخرة إنه قريب مجيب.