بحث عن بحث

الدرس العاشر

صور من واقع الناس في رمضان

 الحمد لله الذي جعل شهر رمضان ميدانا للتنافس في الخيرات، ووقتا فاضلا لعمل الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد أفضل القائمين لله بالطاعات، وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات، أما بعد..

فأسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم الصيام والقيام، وأن يثبتنا على القربات والإحسان، واعلموا أيها الإخوة المسلمون الكرام أن الناس متفاوتون في نظرتهم لهذا الشهر الكريم، فصنف منهم وهم كثير ولله الحمد من ينظر إلى هذا الشهر بأنه ميدان للتسابق في عمل الصالحات، ومجال للتنافس فيها، فنجدهم ملازمين لطاعة ربهم، يخافون عذابه، ويرجون رحمته يجعلون القرآن العظيم لهم زادا، به يقضون أوقاتهم، والمساجد ميدانهم، والصدقات والإنفاق سخية بها أيديهم، والصلاة شعارهم، وذكر الله رطبة به أألسنتهم، رافعين لله عز وجل أيديهم في كل أوقاتهم؛ يرجون المغفرة والرحمة والعتق من النار، جعلوا نبي الله صلى الله عليه وسلم  قدوتهم، وسلف الأمة الصالح أسوتهم، بهم يقتدون ويتشبهون، وأملهم أن يلتقوا بهم في جنات الخلد يوم لا ينفع مال ولا بنون، يستغفرون الله لأخطائهم وزلاتهم، ويسألونه العفو والمغفرة والرضوان، ليلة القدر تحدوهم للمزيد من الصالحات، وتكثير الحسنات، يحيون الليل بالعبادة، وأولادهم وأزواجهم عونا لهم على ذلك، فهنيئا لهؤلاء، أعمالهم وليبشروا بما أعده الله لهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يبشرون بالمغفرة والرحمة والعتق من النار، هنيئا لهم؛ لأن الله تعالى عفو كريم، يغفر الذنب ويعفوا عن السيئات، غفور رحيم إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، وإذا أتاه عبده يمشي أتاه هرولة، يفرح بتوبة العبد مع أنها لا تنفعه توبة التائب، ولا تضره معصية العاصي.

هنيئا لمن جعلوا هذا الشهر وقفة يحاسبون أنفسهم فيها، متأملين أعمالهم، مستغفرين عن أخطائهم، سائلين الله تعالى المزيد على الصواب، رجاعين عن الذنب، متزودين من التقوى.

أيها المسلم الكريم: هذا الصنف من الناس هم الذين عرفوا لهذا الشهر قدره ومنزلته، وهؤلاء هم الذين استجابوا لنداء الله تعالى، واقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء هم الذين أعدوا ليوم الحساب عدته، وتزودوا ليوم لقاء الله تعالى بما يناسبه، واستغلوا نعمة الله بما هي أهله، فهل لنا أن نقتدي بهم، ونمشي في ركابهم لنشاركهم الفوز والفلاح، والسعادة والنجاح في الدنيا والآخرة.

أخي المسلم: وهناك صور متنوعة لأعمال بعض المسلمين في رمضان مما لا ترضي الله تعالى  ولا تناسب مع مكانة شهر رمضان المبارك، فكثير من المسلمين فكثير من المسلمين جعلوا هذا الشهر ميدانا للتنافس في المأكولات والمشروبات، نجد الأسواق تزدحم بهم ازدحاما شديدا للاستعداد لشهر رمضان بأنواع المآكل والمشارب، مما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، وإذا سألت عن الاستعداد بالتوبة إلى الله تعالى، أو سألت عن برنامجهم العملي تجد الجواب: بأن ليس هناك استعداد، كأنه لم يسمع قول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» وكأنه لم يسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». وكأنه لم يتطرق إلى آذانه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «كل عمل ابن آدم له يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي».

أيها الإخوة المسلمون: كلوا واشربوا من الطيبات، ولكن استعدوا لهذا الشهر بعمل الطاعات، من القراءة والذكر والصدقة والإحسان والصلة والصلاة وغيرها، رتبوا أوقاتكم لكي تنالوا فضل هذا الشهر وتقوموا به حق القيام.

وإذا دخل شهر رمضان رأيت عجبا من كثير من الصائمين، وأكثرهم قلب حياته تماما، فكثر نومه، وكثر سهره، نام كثيرا بالنهار مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: [ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا][النبأ:11] ينام كثيرا في النهار خوفا من ألم الجوع والعطش، واستعدادا للسهر في غير المفيد، ويسهر كثيرا مع أن الله تعالى يقول: [ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا][النبأ:10] وعلى حد دعواه ليقتل الوقت، وهنا نجد أنماطا من قتل الأوقات في غير المفيد، فالجلسات في الشوارع وعلى أرصفتها تعجز عن وصفها، وكأن هذا الوقت عبء ثقيل يراد التخلص منه، والأسواق مليئة بالناس للحاجة ولغير الحاجة، وأكثرها من النساء اللاتي لا هم لهن إلا التنافس فيما جد من الأزياء، وما اخترع من التصاميم.

ونجد الأطفال في الشوارع عند بيوتهم، وقد يتقصد أولياء أمورهم ذلك لكي لا يشغلوهم في النهار فيضيعوا عليهم فرصة النوم الثقيل في النهار، ومن جراء ذلك فحدث ولا حرج كم من السلبيات الكثيرة، والتي أقلها ضياع الوقت بدون فائدة، ومن أعظمها ضياع الصلوات في النهار، ينام في الصباح وكأنه مغشي عليه، ولا يستيقظ إلا قرب الغروب، فما بالك بمن يسهر ليله كله على فضائية مملوءة بالمعاصي أو على (النت)، وفيه الغث الكثير، فلأمر أشد والخطورة أعظم.

أيها المسلمون: تعامل بعض الصائمين مع هذا الشهر تعامل غير سليم، وحالتهم حالة مؤسفة، فهل من محاسبة للنفس على أعمالها؟ وهل من وقفة صادقة للتفكير في واقعها؟ وهل من جد للتنافس في الجد والبعد عن الهزل؟ يكون حديثنا في الدرس القادم إن شاء الله.

أسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا بذنوبنا، وأن يعاملنا بما هو أهله، من العفو والصفح والمغفرة، إنه سميع قريب.