بحث عن بحث

الدرس السادس

المفطرات ( 2)

الحمد لله واسع الجود والإحسان، والمتفضل على الصائمين بالعفو والغفران، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير من صلى وصام، وقام لله حق القيام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.

أخي المسلم: تحدثنا في الدرس السابق عن المفطرات التي تخل بصوم الصائم، وذكرناها إجمالا وهي: الأكل والشرب وما كان في معناهما، والجماع، وإنزال المني بالاختيار عن طريق التقبيل أو اللمس أو ما شابههما، وإخراج الدم بالحجامة ونحوها، وخروج دم الحيض والنفاس والتقيء عامدا.

وهناك بعض الأمور التي يقع فيها بعض الناس تجاه هذه المفطرات، يحسن التنبيه عليها، ومنها:

أولا: أن من ارتكب شيئا من هذه المفطرات ناسيا – سوى ما يتعلق بالحيض والنفاس، واستثنى بعض العلماء الجماع-فصيامه صحيح إن شاء الله تعالى وذلك لقوله سبحانه: [ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ][البقرة: 286] وقوله سبحانه:  [ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ  ] [الأحزاب: 5].

ولما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». متفق عليه، واللفظ لمسلم.

ومما ينبغي أن يعلم هنا: أنه متى ما ذكر أنه صائم أو ذُكّر فعليه الإمساك فورا ولفظ ما في فمه إن كان فيه شيء، وينبغي على من رأى صائما يأكل أو يشرب أن ينبهه؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى.

ثانيًا: أن من تناول مفطرا وهو جاهل فصيامه صحيح إن شاء الله، وسواءً كان جاهلا بالحكم الشرعي مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مفطر فيفعله، أو جاهلا بالوقت مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو طالع، وذلك للدلالة المذكورة في الأمر الأول.

وينبغي أن يلحظ هنا أن على الإنسان أن يسأل ويتحرى عما تقوم به عبادته، فإذا جهل حكما من الأحكام عليه أن يسأل أهل العلم مباشرة أو عن طريق الكتابة أو الهاتف ونحو ذلك؛ لقوله تعالى [ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ] [الأنبياء: 7] وينبغي كذلك ألا يتساهل في أمور عبادته فيحصل بذلك التقصير والخلل، والله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.

ثالثًا: إن الصائم لا يفطر بذوق الطعام إذا لم يصل إلى حلقه، ولا يفطر كذلك بشم الطيب إلا إذا كان له جرم يصل إلى الحلق، وتقصد ذلك، ولا يفطر بالمضمضة والاستنشاق لكن لا يبالغ لأنه في حال المبالغة قد يصل الماء إلى جوفه.

روى أبو داود والنسائي، وابن خزيمة في صحيحه عن لقيط بن سبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما».

رابعًا: السواك سنة في رمضان وفي غيره، قبل الزوال وبعده، وللصائم أن يتسوك كالمفطر سواءً بسواء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم  «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».رواه الجماعة.

وهذا عام في الصائمين والصائمات، ومما ينبغي ملاحظته هنا أنه لا ينبغي للصائم أن يستعمل معجون الأسنان في نهار رمضان؛ لأنه ربما ذهب إلى حلقه من مادة المعجون وبالتالي يفسد صومه، لكن إذا استعمله فليحذر من ذهابه إلى حلقه، ولو جعله في الليل لكان أفضل وأبعد عن الشبهة.

خامسًا: قد يجامع الرجل زوجته قبل الفجر، ولا يتمكن من الغسل إلا بعد طلوع الفجر، أو قد يحتلم، ولا يتمكن من الغسل إلا بعد طلوع الفجر، وفي هاتين الحالتين صيامه صحيح والحمد لله، وهذا من يسر الإسلام وسهولته، وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم في رمضان. ولكن يستحب لمن وجب عليه الغسل أن يبادر فيه قبل طلوع الفجر.

سادسًا:  قد يطير إلى حلق المسلم غبار أو ذباب أو دخان مما يصعب التحرز منه، فهذا معفو عنه والحمد لله، وذلك لعدم إمكانية التحرز منه، ولكن ينبغي أن يراقب العبد صومه، وأن لا يتعرض إلى ما يفسده.

سابعًا: قد يتعرض الصائم للتعب نتيجة بعض الأعمال في النهار، ويشتد عليه الحر فيشتد عطشه، أو يكثر العرق في جسمه ونحو ذلك، وحينئذ يجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه هذه الأمور كأن يتبرد بالماء، أو يتنظف أو يتمضمض لما روى مالك لما روى أبو داود ومالك أن النبي صلى الله عليه وسلم  – وهو اسم مكان- يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو الحر.

ثامنًا: يظن بعض الناس أن التعرض في نهار رمضان إلى بعض الأعمال المتعبة، أو الشمس أن ذلك مما يزيد في الأجر والثواب، ويتعلل بأن الأجر على قدر المشقة، والبعض الآخر يتجنب ما أنعم الله به علينا في هذا الوقت من وسائل التبريد بدعوى أنها تنقص من الأجر، وهذا ونحوه مما لا ينبغي التقصد إليه، وعلى المسلم أن يتحرى بصيامه ولا يتقصد المشقة لذاتها، فهي ليست مقصودة في الشرع لذاتها. ولا يتجنب التبريد لذاته، ومع إخلاص النية يعظم الأجر ويزداد الثواب حتى ولو كان جالسا في مكان بارد مثلا.

والبعض الآخر من الناس على النقيض من هؤلاء، إذا قرب رمضان تقصد الأماكن الباردة داخل البلد وخارجها هروبا من الحر الشديد، أو قد يكون أشد من ذلك، بأن يفطر فيعلل لنفسه بأنه مسافر، فحال هؤلاء أشد من الصنف الأول، فهذا لا ينبغي للمسلم الذي يطلب الأجر والثواب والقرب من الله تعالى أن يفعل مثل ذلك.

أيها الصائمون: تفقهوا في دين الله لتعبدوا الله على بصيرة، فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن جهل أمرا فليبادر بسؤال أهل العلم.

رزقنا الله وإياكم الفقه في الدين، والعبادة على بصيرة، والعمل بإخلاص، وثبتنا على ذلك، إنه سميع قريب.