بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(أنداد) : الأنداد جمع ند ، والند لله سبحانه هو المثيل والشبيه والنظير .

(صفاة) : الصفاة هي الصخرة الملساء  .

الوقفة الثانية:

أورد المصنف هذا الباب قاصداً به التحذير من الشرك ، وقد أورد في الأبواب المتقدمة شيئاً من ذلك ، ولكنه هنا أراد التحذير من نوع من الشرك يختلف عما أورده سابقاً، فقد مر بنا أن الشرك نوعان:

النوع الأول: الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام ، وصاحبه مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، وفي الدنيا تطلق زوجته المسلمة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرث ولا يورث بينه وبين المسلمين ، وهذا النوع سبق الكلام عليه .

النوع الثاني: وهو الشرك الأصغر أو الشرك الخفي وهو الذي ركز عليه المصنف في هذا الباب، وهو في الحقيقة ليس صغيراً بل إن صاحبه على خطر عظيم، وإنما سمي بذلك بالنسبة إلى ما هو أكبر منه وهو الشرك الأكبر ، ولذلك جعلوا ضابط الشرك الأصغر هو ما كان وسيلة وطريقاً للشرك الأكبر، وهذا الباب فيما يتعلق بالشرك الأصغر في الأقوال، وقد أورد المصنف جملة منها للحذر من الوقوع فيها ، وليس لهذا النوع كفارة إلا التوبة وأن يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه وهو على كل شيء قدير، كما ورد في الحديث .

الوقفة الثالثة:

أورد المصنف تفسير ابن عباس لقوله تعالى : ]فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً[ وأنه الشرك الأصغر، ويسمى الشرك الخفي إذ قد يجري على الألسنة من حيث لا يشعر الإنسان ، فهو كما شبهه رضي الله عنه بالنملة السوداء التي تدب على صخرة سوداء في ليلة ظلماء من شدة خفائه ودقته، ومثل لهذا الشرك الخفي بعدة أمثلة تجري في حياة الناس من ذلك:

القسم بغير الله تعالى بقوله : وحياتك وحياتي، وحياة فلان، مثل قول بعضهم والنبي صلى الله عليه وسلم.

وقد يقول الشخص : والله وحياتك، وهذا قد وقع في خطأين: الأول الحلف بغير الله، والثاني : التسوية بين الخالق والمخلوق وهذا منكر عظيم، ولو اعتقده فقد أشرك بالله شركاً أكبر .

وقد يكون الإنسان صاحب تجارة كبيرة فيطلب منه أحدهم مالاً ، فيرد التاجر بأني لا أستطيع ولا أقدر، فيقول السائل: ما شاء الله وشئت يا فلان ، أي إذا شاء الله وشئت أنت حصل كذا ، فكأنه ساوى الله سبحانه وتعالى مع الرجل وهو لا يقصده ، ولكنها زلة لسان ، ومثله قول بعضهم: لولا فلان ما حصل كذا .

وفي هذه الألفاظ اعتماد على غير الله ، والله سبحانه هو مسبب الأسباب ، والواجب ألا يُعطف على لفظ الجلالة بالواو الدالة على المساواة، بل يقال: لولا الله ثم فلان، أو ما شاء الله ثم شئت ، لولا الله أمدنا بفلان أو سهل لنا فلان لحدث كذا . فهذه عبارات صحيحة لأنه أسند الأمر إلى الله عز وجل في الأصل، وجاء بـ(ثم) الدالة على الترتيب والتراخي، وأنها أقل مرتبة من المعطوف عليه ، وهذا ما دل عليه حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً، والذي أورده المصنف في نهاية هذا الباب.

الوقفة الرابعة :

(الحلف) : هو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وحروف القسم ثلاثة : الباء، والتاء، والواو ، فتقول: والله ، وبالله، وتالله .

والحلف بغير الله نوعان :

النوع الأول: حلف صريح بالأصنام والأوثان وغيرها مما لم يعظمه الشارع ، مثل أن يحلف باللات والعُزى ، فهذا لا خلاف بين العلماء في كونه شركاً أكبر.

النوع الثاني: الحلف بأشياء عظيمة في الشرع مثل: أن يحلف شخص بالنبي صلى الله عليه وسلمفيقول: والنبي ، أو بالكعبة أو يحلف بالأمانة فيقول: وأمانتك، فهذه بلا شك معظمة في الشريعة، ولكن الحلف بها شرك أصغر وهي أخف من النوع الأول، مما ينبغي التنبيه لـه أن من العلماء من جعل ما يجري على لسان المتكلم من غير إرادة الحلف من لغو اليمين الذي لا يقصد عقده المتكلم، حتى وإن كان الحلف بغير الله كقول بعضهم : بلى والنبي ، وجعل هذا الفعل مكروهاً وليس محرماً ، ولكن الصحيح أنه لا يجوز كما قال به جماهير أهل العلم، ويدل على ذلك النص الصريح الذي أورده المصنف وهو قولـه صلى الله عليه وسلم : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) وأيضاً ما الداعي لأن يحلف الإنسان بمخلوق ويترك الحلف بالخالق سبحانه وتعالى، وحاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)   والذي اتفق عليه العلماء جميعاً أن من حلف بغير الله معظماً لهذا المخلوق كتعظيم الرب جل شأنه فقد أشرك شركاً أكبر مخرج من الملة.

ولكن بعض العامة عند إرشاده بتحريم الحلف بالنبي أو بحياته أو بالأمانة يقول : لقد تعودنا على هذا أو لا نقصد ، وهي في الحقيقة شرك أصغر غير مخرج من الملة ، وهو كما أخبر ابن عباس كدبيب النملة السوداء في ليلة ظلماء على صخرة سوداء من دقته وخفائه ، والواجب الاعتياد على تركه كما اعتاد على فعله ، إذ أن الاعتياد على الحلف بغير الله قد يوقع في الشرك الأكبر إذا وصل إلى مرحلة تعظيم المحلوف به بالقدر الزائد عن مثله .

ولا يقل قائل: إن الله سبحانه وتعالى قد حلف بشيء من مخلوقاته كقوله تعالى :   ] وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا[  وقوله : ]وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى[   وقوله : ]وَالْعَصْرِ[  فالله تبارك وتعالى لـه أن يحلف بما شاء من مخلوقاته ، ولكن ليس للمخلوق أن يحلف إلا بالله عز وجل.

الوقفة الخامسة :

أورد المصنف قول ابن مسعود رضي الله عنه : (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً) وابن مسعود من فقهاء الصحابة وأجلائهم ومن السابقين للإسلام، وهو لا يريد رضي الله عنه أن يهوّن من شأن الحلف بالله كاذباً حاشا وكلا ، ولكن من المعلوم أن الحلف بالله كاذباً أمر محرم وكبيرة من كبائر الذنوب ويدل عليه حديث عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)  وهي التي تغمس صاحبها في النار، وأما الحلف بغير الله وإن كان صادقاً فهو شرك بالله والشرك بالله حتى الأصغر منه أعظم جرماً من الكبيرة ، بدليل أن العلماء اتفقوا أن الكبائر التي يقترفها الإنسان على نفسه هي تحت المشيئة إن شاء غفر الله لـه برحمته سبحانه، وإن شاء عذبه بعدله سبحانه، أما الشرك الأصغر فقد اختلف العلماء في مغفرة الله لمن مات ولم يتب من هذا النوع من الشرك على قولين؛ والصحيح أنه كغيره من الذنوب تحت مشيئة الله تعالى إن شاء غفر لـه برحمته وإن شاء عذبه وقدر معصيته .

الوقفة السادسة :

قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل ، ألا أخبركم بقول يذهب صغاره وكباره؟ أن تقول : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا علم ، وأستغفرك لما لا أعلم)   هذا الحديث وقاية بإذن الله من الوقوع في الشرك الأصغر ، وينبغي على المسلم المحافظة عليه، ولا سيما وإن أحس من نفسه شيئاً من ذلك ، ودعاء المسلم لربه من أعظم الوسائل الجالبة لصفاء العقيدة من شائبة الشرك .

والمسلم إذا عظم الله في نفسه وعلم بقدرته سبحانه وأنه أكبر وأعظم من هذه المخلوقات هان عليه أمر الدنيا وما فيهما، وقوي تعلقه بالرب سبحانه وتعالى، فدفع عن قلبه الشرك ووقي منه ، ومن تعلق بالله فقد كفاه سبحانه .

وعلى المسلم أن يعتاد على حفظ منطقه من اليمين، كما قال سبحانه : ]وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ[  هذا في اليمين الصادقة الجائزة ، فكيف باليمين التي بها شرك بالله وتعظيم لغيره ، والواجب المحافظة على اليمين، وإنا لنرى بعض الناس يكثر من اليمين حتى إنه ليحلف لأجل إكرام ضيفه أو دخوله منزله فيقول: والله لتدخلن لبيتي لتشرب القهوة، وقد يتجرأ بعضهم إلى أن يطلق زوجته ويحلف على طلاقها إن لم يدخل ضيفه، وهذا من الجهل والخطأ .