بحث عن بحث

الوقفة الأولى :

شرح مفردات الباب:

(السحر) : لغةً ما خفي ولطف سببه .

واصطلاحًا: هو عقد وعزائم وتعاويذ ورقى يعملها الساحر، ومن خلالها يؤثر على المسحور عن طريق الشياطين .

(الطاغوت): كل ما عُبد من دون الله وهو راضٍ بهذه العبادة .

(الشيطان) : اسم جنس .

(اجتنبوا) : أي ابتعدوا .

(السبع) : العدد هنا لا مفهوم لـه فهناك موبقات غير هذه السبع.

(الموبقات): جمع موبقة أي مهلكة والإيباق: الإهلاك من قولك أو بقت الشيء أي أهلكته.

(الربا): لغة : الزيادة، وهو في الاصطلاح: الزيادة في أشياء مخصوصة  ،  وله تفصيلات كثيرة معلومة في بابه.

(اليتيم) : وهو من فقد أباه ولم يبلغ الحلم، وبعض أهل العلم يطلق اليتيم على من ماتت أمه. والصحيح الأول. 

(التولي): الهروب والابتعاد والتخلي.

(الحد): هي العقوبة التي شرعت على الذنوب زجراً لمن اقترفها .

الوقفة الثانية:

ذكر المؤلف - رحمه الله - في كتاب التوحيد في أوله، أبواباً في تقرير التوحيد وبيان فضله، ثم ذكر أبواباً مترتبة على التوحيد، ثم ذكر شيئاً من مناقضات التوحيد فمنها ما يناقض كمال التوحيد ومنها ما يناقض أصل التوحيد، وهذا الباب فيما يتعلق بالسحر بيان لمناقضة أصل التوحيد.

الوقفة الثالثة:

السحر معروف وواقع ويؤثر على المسحور، وذلك لعدة أدلة منها :

1 - أن الله - عز وجل - أمر بالاستعاذة من شره بقوله : ]وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ[  .

2 - أن الله تعالى ذكر نوعاً من فعلهم فقال : ]مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ[.

3 - أن عمل السحر أو ضرره لا يخرج عن إرادة الله فقال تعالى: ]وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ[.

ويتمكن الساحر من الإضرار بالمسحور: بواسطة الشياطين، فالشيطان يتلبس بالإنسان ويؤثر عليه إما صرفاً أو عطفاً أو تغييراً في خلقته أو تغيراً في طبيعته على حسب ما يطلب منه الساحر.

ولكن لماذا السحر يناقض دين الله؟ أو لماذا يكفر الساحر إذا عمل السحر؟ لأن الشياطين لا يمكن أن تخدم الساحر حتى يطيعها في معصية الله؛ إما بالذبح لها أو إهانة القرآن الكريم أو بترك الصلاة وغير ذلك ، وهذه كلها أعمال شركية وكفرية تخرج من دائرة الإسلام .

الوقفة الرابعة:

إن قال قائل : ما تأثير السحر في المسحور ؟ فالجواب : أن تأثير السحر قد يكون كلياً أو جزئياً فيكون كلياً شاملاً لجسم الإنسان وعقله وعلاقاته مع الآخرين أو يكون في جزئية معينة في حياته؛ كالعطف بين متباغضين أو أن يصده عن المسجد أو البيت أو العمل، أو يكون في جسمه كأن يعطل يده وهكذا .

الوقفة الخامسة :

قال الله تعالى : ]وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[ تعني الآية أن هذا الساحر اشترى هذا السحر ورضي به عن شرع الله سبحانه وعن دينه، فبيّن سبحانه أنه ليس لـه ]فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[ حظ ولا نصيب، وهذه إشارة بأن الساحر انتقل من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر والعياذ بالله.

وقول الله تعالى : ]يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ[ هذه الآية بيان لحال هؤلاء وأنهم يؤمنون بالسحر والطاغوت، وهذه من صفات اليهود فاليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت، وقد تقدم تعريف الجبت في الباب السابق بأنه السحر، وهذا من إطلاق الكل على البعض لأن السحر هو الجبت وغيره .

والذين يؤمنون بالجبت والطاغوت معذبون كما قال تعالى: ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً[  فهذا جزاؤهم والعياذ بالله .

الوقفة السادسة :

مع حديث (اجتنبوا السبع الموبقات) . فقد دل الحديث على أن هذه الأمور المذكورة فيه من الكبائر العظيمة التي يستحق صاحبها العقاب الشديد من عند الله وأولها: الشرك بالله، بدأ صلى الله عليه وسلم به لأنه أكبر الكبائر، وهو الذنب الذي لا يغفر : ]إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ[  .

فمن عبد غير الله أو صرف أي عبادة لغيره أو معه فهو مشرك؛ كأن ينذر لغير الله أو يدعو غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يطوف على قبرٍ ويدعوه كما يدعو الله، فهذا مشرك خرج عن دائرة الإسلام، والعياذ بالله.

الموبق الثاني: السحر (وهو موضع شاهد الباب) وهو كبيرة من الكبائر قد فصّل أهل العلم حكمه، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله .

الموبق الثالث: قتل النفس بغير حق، وهذه من أكبر الكبائر فقد توعد الله من يقتل نفساً مؤمنة بغير حق في كتابه الكريم فقال تعالى: ]وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً[  .

والقاتل كما ذكر بعض أهل العلم أنه يتعلق به ثلاثة حقوق : حق لله ويسقط بالتوبة الصادقة، وحق لأولياء المقتول ويسقط بأخذ الديّة أو القصاص أو العفو، وحق للمقتول فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى يوم القيامة بالمقتول فيتعلق بالقاتل يوم القيامة ويقول: يا رب سل هذا فيم قتلني  ؟ فإن تاب القاتل فإن الله سبحانه يتحمله عن عبده القاتل ويرضي المقتول والله أعلم  .

الموبق الرابع: أكل الربا وهو من أكبر الكبائر، ولم يتوعد الله عز وجل بلفظ الحرب إلا المتعامل بالربا ]فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ[  وقد تساهل كثير من الناس في التعامل بالربا، فصاروا يبحثون عن تأويلات هنا وهناك لتحليل هذه المعاملة أو تلك، ولهذا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: (هم سواء).

الموبق الخامس: أكل مال اليتيم الذي فقدَ أباه فهو لا يحسن التصرف في ماله، فيأتي وليه أو موكله فيأكل من ماله ويبخس حقه ولا يبالي، وقد توعد الله من فعل هذا بقوله : ]إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً[   .

الموبق السادس: التولي يوم الزحف، توعده الله بقوله : ]فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[ .

الموبق السابع: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات . القذف عام للرجل والمرأة، فعقوبة القاذف الجلد ثمانين جلدة، وقد جاء ذكر وعيد هؤلاء في القرآن بقوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ       عَظِيمٌ[  .

الوقفة السابعة:

كيف يتقي العبد السحر قبل وقوعه؟

1 - التعبد لله بعقيدة صافية؛ لأنه بذلك سيقوي عنده جانب التوكل والاعتماد على الله والرضا بقضائه وقدره .

2 - المحافظة على الأعمال الصالحة والقيام بها على أكمل وجه .

3 - المحافظة على الأذكار الشرعية والأذكار، منها المطلق كقراءة القرآن والثناء على الله والدعاء . ومنها المقيد كأذكار الصباح والمساء وأذكار النوم ودخول البيت وغيرها.

4 - الابتعاد عن المعاصي ابتعاداً كلياً .

5 - تطهير البيت من الأسباب التي تجلب الشياطين كالصور والتماثيل وأصوات المزامير.

أما معالجة السحر بعد وقوعه فتكون بما ذكر من أسباب الوقاية مع الرقية الشرعية، والأخذ بالأسباب التي ثبت بالتجربة نجاحها كالاغتسال بالسدر وشرب ماء زمزم وغيره، وقى الله الجميع شر السحر والسحرة.

الوقفة الثامنة:

في حد الساحر وحكم الإتيان إليه، فحد الساحر هو القتل كما جاء عن جندب مرفوعاً في حديث الباب: (حد الساحر ضربُه بالسيف) .

وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت، وكذا عن جندب ، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

وذكر المصنف كل هذه الآثار في قتل الساحر وأن حده السيف ، ولم يذكروا أنه كان يستتاب، بل يُقتل متى ما عُرف أنه ساحر، وهذا قول الجمهور.

أما حكم الإتيان إليه : ففيه تفصيل :

إن كان هذا الشخص يعتقد أن هذا الساحر يملك النفع أو الضر أو أن لـه تأثيراً في الكون فهذا قد خرج من الإسلام إلى الكفر .

أما إذا كان يعتقد أن الأمور بيد الله، ولكن أريد الانتقام من فلان مثلاً فهذا على خطر عظيم وهذا من أكبر الكبائر .

الوقفة التاسعة :

 من أخطاء الناس في هذا الباب :

إن كثيراً من الناس يظن ويتوهم أنه مسحور وأن فلاناً سحره فقد يراه في المنام من خلال التفاعل النفسي، فيتصل على من يؤول لـه هذه الرؤيا فيقول: أنت مسحور، فتبدأ معه سلسلة من الأوهام التي قد تودي بحياته كلها، والأمر أهون من هذا بكثير ، فكثرة الأوهام في هذا الأمر مرض بحد ذاتها .

ومن الناس من قد لا يتحرى في معرفة مدى خبرة هذا الراقي وهل هو ثقة في دينه وأمانته فمن الراقين من قد لا يعرف الفرق بين ما هو متعلق بالأعصاب وما هو متعلق بالسحر .

السحرة ليسوا كما يظنهم البعض أن بيدهم كل شيء، وأنهم لا يقهرون، ويتخوف منهم، فلو كان هؤلاء السحرة لهم هذه القوة المزعومة لجلبوها لأنفسهم ولملكوا الدنيا، ولكنهم بالعكس لا يعيشون إلا في الأمكنة القذرة، ولا يملكون الضر والنفع لأنفسهم فكيف يملكونه لغيرهم؟.

الوقفة العاشرة:

هل يمكن الجمع بين الرقية الشرعية والطب النفسي؟

إذا أصيب المسلم بمرض فعليه أن يشخص نفسه تشخيصاً دقيقاً، فمن الناس من يصاب بمرض يتوهم أنه أصيب بعين أو سحر وهو في الحقيقة لم يصب بشيء، فكثرة الأوهام والشكوك مرض بحد ذاته، والطب النفسي يؤكد أن الشخص قد تأتيه مصيبة شديدة فيغتم لها، ثم يعود أثرها على البدن من صداع ونحوه فيتوقع المريض أنه مصاب بعين، وفي الحقيقة هو يحتاج لعلاج نفسي.

ثم على من أصيب بعين أن يرقي نفسه إن استطاع، أو يرقيه من يثق بدينه وعلمه، فيرقي نفسه بالقرآن، والقرآن شفاء لكل مرض قال تعالى: ]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[  ، ولا بأس من استخدام الأدوية التي يصفها الطبيب النفسي المسلم الموثوق به المختص بهذا المجال؛ لأن من هذه الأدوية ما يقوي الإرادة لدى المريض، وعليه أن يحذر من الأدوية التي تستمر معه مدى الحياة إلا بعد التأكد أنه لا غنى عنها.

وبهذا نقول : نعم يمكن الجمع بين الرقية الشرعية والطب النفسي فهما طريقان لا يتعارضان كما قد يظن البعض. وإنما يسيران في خطين متوازيين.

وبناءً على هذا يمكن علاج الأمراض بالعلاج الأصل، وهو القرآن الكريم والأدعية المأثورة النبوية، ثم ما يتيسر من الأدوية من الطبيب العارف الموثوق.

والسحر مرض من الأمراض يعالج بالأصل – كما سبق – وقد يحتاج المريض – بحسب مرضه – إلى علاج بما يتيسر من الأدوية والله أعلم .