بحث عن بحث


الخطبة الثانية

    الحمد لله يهب الملك لمن يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد أيها المسلمون:

   وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين، النموذج الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب، حتى بلغ ملكه الأرض شرقاً وغرباً، ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر ولا يطغى ولكن يستغل نعمة الله عليه بما يفيد غيره وينفعهم ويشكر الله على ذلك.

عباد الله ! ثم نجد أن الله سبحانه يعقب على ذكر ذي القرنين للوعد الحق بمشهد القيامة بقوله: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً) [الكهف: 99] وهذا هو مشهد يوم القيامة، إنه مشهد عظيم مهول، مشهد يرسم حركة تلك الجموع البشرية بأجمعها من لدن آدم إلى آخر مخلوق، من كل لون وجنس وأرض، ومن كل جيل وزمان وعصر، في هذا اليوم العظيم ينقسم الناس فيه إلى مؤمنين وكفار، وإلى متقين وفجار، فأما الكفار فقد قال الله عنهم: (إنَّا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً) [الكهف: 102] وأما الذين سعدوا، فقد قال الله تعالى عنهم: (إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاًَ خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً) [الكهف: 108] أي لا يريدون أن يتحولوا عنها، ولا تتحول هي عنهم، نظراً لأنهم لا يريدون فيها إلا ما يعجبهم ويبهجهم ويسرهم ويفرحهم، ولا يريدون نعيماً فوق ما هم فيه.

أيها المسلمون! ويصور الله عز وجل علم الإنسان الذي يظنه غزيراً، وهو على سعته وغزارته- محدود ضئيل، أمام علم الله سبحانه، فإن كلمات الله تمثل العلم الإلهي الذي لا حدود له، والذي لا يدرك البشر نهايته، بل لا يستطيعون تلقيه وتسجيله فضلاً عن محاكاته (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) [الكهف: 109].

   وفي ظل هذا المشهد الذي يتضاءل فيه علم الإنسان ينطلق مشهد أخير فيرسم أعلى أفق للبشرية، وهي أفق الرسالة المحمدية الشاملة الكاملة (قل إنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف: 110] أعلن يا محمد للملأ أنك لست مَلكاً، فإنك من جنس البشر، فمن زعم أن محمداً نوراني، أو أنه يعلم الغيب، أو أنه يملك صفة الربوبية والألوهية، فهذا كذب بلا شك. بل إنما تميز محمد صلى الله عليه وسلم بشيء وهو أنه يوحى إليه، فمن أراد طريق السعادة والنجاة، فليلتزم بهديه صلى الله عليه وسلم وسنته، ويجتهد في العمل الصالح، ولا يكون العمل صالحاً إلا بشرطين:

1- أن يكون خالصاً لوجه الله.

2- موافقاً فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه الخاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه ولن ينال رضاه.

   هذا وصلوا وسلموا على من أرسله الله تعالى للناس كافة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، كما أمركم الله جل وعلا بقوله: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).