بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

   أيها المسلمون! ومن الأخطاء في وقت إقامة الزواج وحفلاته ما صار شائعاً عند بعض الناس اليوم من تكاليف ابتدعوها، وتمادوا فيها، وصارت محلاً للمفاخرة بحيث تثقل كاهل الزوج، وتنفر عن الزواج،  ومن ذلكم الإسراف في شراء الأقمشة المرتفعة الأثمان، وشراء المصاغات الطائلة باهظة الثمن، والمبالغة في تأثيث المنزل وغرفة الزوجة، ومما هو ظاهر وبيّن للعيان، ومحل تبرم من الجميع الإسراف، والتبذير في إقامة الولائم، وإفساد الطعام من لحوم وغيرها، ورمي النعم في المزبلة، وكل هذه ونحوها مما تثقل كاهل الزوج وليست في صالح الزوجة، وإنما يستفيد منها أصحاب المصانع والمتاجر في الشرق والغرب؛ لأنهم هم الذين يجنون ثمارها ، والمحصّلة أنها أموال تذهب هدراً وتضيع سدىً، وتسد طريق المسلمين إلى الزواج، أضف إلى ذلك ما يفعله بعض السفهاء من إقامة حفلات الزواج في الفنادق ونحوها مما يزيد الكلفة كلفة، وقد يكون سبباً للعقوبة.

   نعم أيها المسلمون! إن إعلان النكاح، وإقامة الوليمة، وجمع الأقارب والأصدقاء سنة في الزواج يحصل فيه من الخير ما يحصل من سلام ودعاء ومباركة، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: " أولم ولو بشاة"  ولكن أن يصل الأمر إلى مثل ما نعيشـه الآن، فهذا هو المحذور الذي يجب أن نسارع في تركه، ونتوب منه، فالله، عز وجل، يمهل ولا يهمل.

ومن الأخطاء الفادحة، والأعمال المشينة، والأفعال المحرمة ما يفعله بعض الناس من اختلاط بين الرجال والنساء في حفلات الزواج، ويبتدىء هذا الاختلاط من كون اللقاء الأول بين الزوج وزوجته أمام النساء، وهن ينظرن إليه، وهو ينظر إليهن، أضف إلى ذلك ما يحصل من منكرات متتالية من حصول تصوير للعروسين، وقد يكون المصور لها من الرجال، فيبتدىء هذا الزواج بما يغضب الله، سبحانه وتعالى، أترضى أيها الولي أن تكون صور ابنتك محلاً للتداول والنظر؟ ثم ما الذي يسوغ لهذا المتزوج أن ينظر إلى تلك النساء المجتمعات؟ إن هذا مما يسبب فشل هذه الحياة الزوجية؛ لأن هذا الزوج قد ينظر إلى من هي أجمل من زوجته، فترخص في عينه مع حسبانه لتلك التكاليف الباهظة التي تحملها بالإضافة إلى الانجراف وراء تقاليد الكفار، وأشباه الكفار الذين لا دين لهم، ولا أخلاق، أين الدين يا عباد الله؟ بل أين الخلق والحياء؟ بل أين الرجولة والشهامة؟ أنسير وراء كل سرب خادع، ونحن نهوي إلى الهاوية؟ (يا أيُّها الذين آمنوا لا تتَّبعوا خطوات الشيطان ومن يتَّبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحدٍ أبداً ولكن الله يُزكِّي من يشاء والله سميع عليم) [النور: 21].

  إنه مما ينبغي للشاب المسلم والفتاة المسلمة أن يبدآ الحياة الزوجية بكامل الستر والحياء والعفاف والطهر، يبدآ حياتها الزوجية بالدعاء الصادق بالبركة وسعادة الحياة، يبدآنها بلقاء يحفه الإيمان، وتغمره المودة والرحمة، لا بلقاء تلفُّه العيون الآثمة من كل طرف، وبتقليدٍ إثمه أكبر من نفعه.

أيها المسلمون!

   ومن الأخطاء الفادحة أيضاً ما يفعله بعض الناس من سهر الليل المتواصل في حفلات الزواج إلى قرب الفجر، يزداد الأمر سوءاً إذا كان هذا السهر على معصية الله، جل وعلا، في هذا الحفل من وجود أغاني صاخبة، واستجلاب مطربين ومطربات ينعقون بما يغضب الله، سبحانه وتعالى ، أما يخشى من يفعل هذا من عقوبة تشمل الخاصة قبل العامة؟ كم حصّل هؤلاء من إثم؟ وكم فوتوا من الأجر؟ في الليل الهادىء الساكن ينزل الرب، سبحانه وتعالى، إلى السماء الدنيا ليسمع الدعوات الصادقة، والعبرات الحارة، والاستغفار المتواصل، وهؤلاء للأسف الشديد يُسمعون مولاهم وخالقهم ما يغضبه من أصوات المطربين والمطربات، تصور يا من أقمت هذا الحفل على معصية الله تعالى أن الله قبض روحك في هذا الوقت، فبم أنت مجيب؟ وكيف خاتمتك؟ علينا أن نفيق من سباتنا، ونعمل ما يرضي الله تعالى فنسعد في الدنيا والآخرة.

   اتقوا الله عباد الله! وصلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة، الذي جاءكم بالبينات والحكمة، وكشف عنكم ما بكم من غُمَّه، كما أمركم الله جل وعلا في محكم كتابه العزيز حيث قال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).