بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله المحمود على كل حال، فإليه المرجع والمآب في جميع الأحوال، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده، ورسوله، صلى الله عليه، وعلى الصحب، والآل، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المصير، والمآل.

أما بعد : أيها المسلمون: إن الإيمان بالقضاء، والقدر على الصفة المذكورة فيما سبق يورث في العبد آثاراً حسنة، ويمنحه ثمراتٍ جليلةً تعود عليه في الدنيا والآخرة، ومن ذلكم أن يكون محققاً لهذا الإيمان العظيم، قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ومثله قال، عليه الصلاة والسلام، لابن عمه عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف"  .

        كن عن همومك معرضاً         وكل الأمور  إلى  القضا

        وانعم بطول سلامــة             تسليك عما قد مضــى

        فلربما  اتسع المضيـقُُ           وربما ضاق الفضـــا

        ولرب  أمرٍ مسخــط             لك في عواقبه  رضـى

        الله يفعل ما يشـــاء               فلا تكن  متعرضـــا

  ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: الطمأنينة، والراحة النفسية بما يجري على العبد من أقدار، فلا يقلق، ولا يضجر، ولا يتأفف، أو يضيق صدره، ولا تظلم الدنيا في عينيه عندما يحصل له مما ظاهره مكروه، كفقدان حبيب، أو حصول مرض، أو خسارة مالية، أو فوات محبوب؛ لأنه يؤمن أن ذلك كله من الله، سبحانه وتعالى، وهو كائن لا محالة.

قال ابن المفكر:

        رب أمرٍ تتقيــــه          جرَّ أمراً ترتجيــــه

        خفي المحبوب منــه              وبدا المكروه فيــــه

        فاترك الدهر وسلمـه             إلى عدلٍ  يليـــــه

  وما قدره الله، سبحانه، وتعالى، ففيه الخير كل الخير سواء كان هذا الخير ظاهراً، أو غير ظاهر. قال تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) [الحديد: 22، 23].

   ومما يورثه الإيمان بقضاء الله، وقدره قوة التعلق بالله، سبحانه، والاعتماد عليه عند فعل الأسباب، فلا يعتمد على الأسباب نفسها، فما هي إلا وسيلة قد تحصل من خلالها النتيجة، وقد لا تحصل، فيخلص التعلق به، سبحانه.

  ومن آثاره أيضاً: ما يحصل للعبد من عبادة الصبر، والشكر، الشكر حال الرخاء، والنعمة، والفرح، والصبر على ما يحصل من مكروه، أو شدة، أو كرب، روى مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه، وسلم، قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له).

أيها المسلمون!

   هذه الآثار كلها قائدة إلى الجنة، ورضوان الله، تعالى، وهي الغاية الكبرى، والهدف الأسمى، التي يسعى لها الإنسان.

أيها المسلمون!

   إن من يجحد قدرة الله، تعالى، ينقسمون إلى أقسام، يقول : إن العبد مجبور على أفعاله، وليس له من القدرة شيء، وقسم لا يتعاطون فعل الأسباب بزعم تجريد التوكل على الله، أو تركوا التعلق بالله، واعتمدوا على الأسباب بالكلية، ونسوا الله تعالى، وقدرته، أو شغلوا أنفسهم بالتأسف على الماضي، والأسى على ما فات بقول: " لو أني فعلت كذا لكان كذا" هؤلاء، وأمثالهم وقعوا في أخطاء فادحة، وجروا في مسالك وعرة، قد تقودهم إلى الضلال، والتيه، والحيرة والقلق، والاضطراب في هذه الحياة، والاشمئزاز منها، وضيق الصدر، وظلمة الدنيا، والتشاؤم من كل ما يحصل، فلنجدد أيها المسلمون إيماننا بالله سبحانه.

عبدالله :

   اجتنب سبع خصال يسترح جسمك، وقلبك، ويسلم لك عرضك، ودينك:

لا تحزن على ما فات.

ولا تحمل هماً لم ينزل بك.

ولا تلم الناس على ما فيك مثله.

ولا تطلب الجزاء على ما لم تعمل.

ولا تنظر بشهوة إلى ما لم تملك.

ولا تغضب على من لم يضرك غضبه.

ولا تمدح من لم يعلم من نفسه خلاف ذلك.

  وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، اللهم اجعلنا ممن يسعد بشفاعته، ويحشر تحت لوائه، كما أمر الله جل وعلا في كتابه الكريم بقوله تعالى: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).