بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله تفرد بكل كمال، وتفضّل على عباده بجزيل النوال، له الحمد في الأولى، والآخرة، له المآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تقدّس عن الأشباه، والأمثال، وأشهد أن سيدنا، ونبينا محمداً عبده، ورسوله المبعوث بكريم الصفات، وجميل الخصال، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المصير، والمآل.

أما بعد : أيها المسلمون! قال الإمام ابن القيم رحمه الله : ( ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله، ويعذب الفاجر فيه على حسب أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو. فتقرض شفاه المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتسبح بطون أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار من دم، كما يسبحون في الكسب الخبيث، وتُرض رؤوس النائمين عن الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه ، وعينيه إلى قفاه، كما شقت كلمته النواحي، وتعلق النساء الزواني بثديهِنَّ، وتحبس الزناة، والزواني في التنور المحمى عليه، فيعذب محل المعصية منهم).

أيها المسلمون:

   القبر منزل لا بد نازله، قد ترتحل إليه بعد لحظات، أو سويعات، أو سنوات، ولا يشك مسلم أن ذلك لا محالة آت، هذه حقيقة أذابتها شمس المادية الملتهبة، وحبُ الدنيا الطاغي، وأطاحت بها أعاصير زينة الحياة .

  القبر: واعظ صامت، لا يملك العبارات المنمقة، ولا يعرف نظم الشعر ولغته، وإنما يعرف لغة أشد تأثيراً من كل أنواعها، ومنظراً أعمق من كل عبارات الوُعّاظ، وللتراب الصامت صوت لا يسمعه، ولا يعي مدلوله إلا من وقف أمامه يتأمله ، وهو يضم بين جنباته الوالد والولد، الصديق، والغريب، والقريب الحبيب.. والأم والزوجة والبنت والأخت يضم جثثاً هامدة لا حراك بها، ولا نفس في عروقها، يضم الأجسام البالية، والعظام النخرة، والأشلاء المبعثرة، والأوصال المقطعة.

أتيـت القبور فناديتهــا            فأين  المعظم والمحتقــر؟

تفانوا جميعاً فما مخبــر            وماتوا جميعاً  ومات الخبر

تروح وتغدو بنات الثرى         فتلفي محاسن   تلك الصور

فيا سائلي عن أناسٍ مضوا              أمالك  فيمن مضى معتبـر

  للقبر عظة أيما عظة، كان عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، تعالى، إذا نظر إلى القبور بكى، ثم قال: "هذه قبور آبائي، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم، وعيشهم، أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات، واستحكم فيها البلى، وأصابتهم الهموم في أبدانهم".

أيها المسلمون!

   منظر القبر يرقق القلب، ويدمع العين، ويزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، يذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ويورث العظة، والاعتبار، يجعل العبد يتيقظ من غفلته، وينسلخ من أحضان أحلامه، وشهواته، إن ساعة من الزمن تعيشها النفس أمام المقابر، تطل على حاضرها، وتبكي على الظلم من صفحات غابرها، وترسل بين الأجداث المبعثرة أناتها، تتساءل عـن وفـاة صديق، أو قريب، تذيع على الدنيا العبر، وتتذكر تاريخ من غبر.

   القبر: نعم الواعظ يعظ الأحياء بصمت، ليذكرهم بالمآل الذي لا بد منه، فيدفعهم ذلك إلى زيادة الاستعداد ليوم المعاد (زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة).

نعم هو الدواء لمن قسا قلبه، ولزم ذنبه، وطال أمد غفلته، فليس الخبر كالعيان.

  أين المتأخرون عن الصلاة، والعاكفون على الشهوات، والعابثون بالملهيات؟ أين التاركون للزكاة؟ أين من غرتهم الدنيا، فطال عليهم الأمد، وقست قلوبهم؟ أين المتعاملون بالربا، وأكلة أموال الناس بالباطل؟ أين المضيعون لأماناتهم ومسؤولياتهم وأسرهم؟ أين الواقفون حرباً على الإسلام، وأهله؟ الصادون عن دينه، أليس لهم في القبر معتبر؟ بلى إنه من أبلغ العلم الخبر، أين المراؤون بأعمالهم ، المفتخرون بأحسابهم، وأنسابهم؟ أين اليد الظالمة، واللسان الكذوب، والعين الخائنة؟

   أين القلب القاسي، والعقل اللاهي؟ أين هؤلاء من أولئك غداً من سؤال منكر، ونكير، وعندما يحاسب الإنسان على الدرهم، والقطمير، نسأل الله الثبات فنقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وصلوا، وسلموا على رسول الله البشير النذير، وحجة الله على العالمين، اللهم احشرنا تحت لوائه، ونجنا من عذاب القبر ولأمرائه، يا نعم المولى، ونعم النصير. قال تعالى: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي..........).