بحث عن بحث

ثامنًا: أساليب تربية النشء على العمل الإيجابي

إن الوسائل التربوية الواجب اتباعها مع النشء لإعانتهم على العمل الإيجابي كثيرة، نذكر منها:

التربية بالقدوة: إن القدوة أمر مهم في تربية النشء، وهي من الوسائل التربوية الناجحة في إعدادهم من الناحية النفسية والاجتماعية، فالإنسان منذ مراحله الأولى يرى في معلمه ومربيه المثل الذي يجب أن يقتدى به، ولا يجد أحدًا سواه، لذا فإن سلوك المربي له أثر فاعل لنمو النشء بصورة سلبية أو إيجابية، فكلما كان المربي أو المعلم صادقًا فيما يدعو النشء إليه من الخصال الحميدة كالصدق والأمانة والعمل الجاد كلما أكسبَ هذه الخصال إليهم، وإذا افتقد لهذه الخصال وكان سلوكه بخلافها تربى النشء على خلافها أيضًا.

ومن أجل ذلك جعل الله الأنبياء والرسل عليهم السلام نماذج عملية يجسدون ما يدعون إليه من المكارم والقيم ليكونوا قدوة لأتباعهم وأمتهم، قال الله تعالى: âلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًاá.

والنبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة للأمة في كل المجالات، فهو قدوة في أداء العبادات، حيث كان يعبد الله حتى تتورم قدماه، وقدوة في الشجاعة فقد وقف بعد أن أصاب المسلمين في حنين ما أصابهم، وقال: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، وهو قدوة في الكرم، قال أنس ابن مالك ط: لم يُسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط على الإسلام إلا أعطاه، وهو قدوة في التواضع، حيث كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويتحدث إلى الصغير والكبير، وكان قدوة في الحلم والعفو فقد عفى عن الذين آذوه وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم بقوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وغيرها من الخصال والصفات التي كان النبي عليه الصلاة والسلام أنموذجًا عمليًا لها بين المسلمين.

ووجود القدوة الصادقة والصالحة أمر ضروري لتربية النشء على اكتساب كل ما يدعو إلى الإيجابية في الحياة والابتعاد عن أسباب القصور والإهمال في أداء الواجبات والالتزامات.

التربية بالتعويد والتلقين: وهي المحافظة على الفطرة التي فطر الناس عليها في توحيد الله تعالى، لقول الله تعالى: âفِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُá  وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».

فتربية النشء على هذه الفطرة كفيلة أن يكبروا على الإيمان والأخلاق الفاضلة ويتحوّلوا إلى عناصر إيجابية في الحياة، وهذا ما ركّز عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة موجهة إلى أولياء الأمور من الآباء وغيرهم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع».

وأهم أسلوب من أجل بقاء النشء على عقيدتهم السليمة، وتعاليم دينهم هو إيجاد البيئة الإيمانية لهم، مثل الرفقة الصالحة لما لها من دور كبير في التربية وإخراج جيل إيماني متين، وهو ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

كل ذلك من أجل الحفاظ على فطرة الإيمان التي يولد الإنسان عليها، والتي تحتاج إلى توجيه وتنمية من الآباء والمربين منذ الطفولة حتى لا تتأثر بعوامل أخرى تحيدها عن حقيقتها وأصالتها.

التربية بالموعظة الحسنة: إن التربية بالموعظة هو أسلوب مؤثر وله نتائج وثمرات عظيمة في تهيئة النشء وتنمية القدرات الإيجابية لديهم، ومن خلال الإرشاد والتوجيه والنصيحة بالحكمة والموعظة والرفق واللين، لأن النفس بطبيعتها تميل إلى ذلك وتنفر من خلافه، وقد أشار القرآن الكريم إلى اتباع هذا الأسلوب مع المدعوين في مواطن كثيرة مثل قوله تعالى: âادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَá وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».

ومن أهم الوسائل المؤثرة في عملية الوعظ والإرشاد للنشء هو اختيار الكلمات اللطيفة والمحببة إليهم أثناء المخاطبة والحديث معهم، كما في قول الله تعالى في وصية لقمان لابنه: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌá  وكما في قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: âيَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌá .

فجاءت المناداة بأحب كلمة إلى مسمع الابن وهي «بني»، وهذا له تأثير كبير لئن يسمع الابن كلام أبيه بصدق ويطبق توجيهاته إليه.

كما ورد هذا الأسلوب اللطيف في مناداة النساء مثل قول الله تعالى:            âيَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِá، وقوله تعالى على لسان الملائكة لمريم عليها السلام: â... يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴿42يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَá.

وقد أشار القرآن إلى أثر ذلك بوضوح كما في قوله تعالى: âذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِá ، وقوله تعالى: âإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌá .

4 ـ التربية بالمتابعة والملاحظة: حيث يحتاج النشء في تربيتهم الإيمانية بعد الوعظ والتوجيه وبيان الحق لهم إلى متابعتهم وملاحظتهم عن مكث، وذلك من خلال الأمور التالية:

أ ـ أن يتابع المربي أو ولي الأمر الرفقةَ التي تصاحب الناشئ، فإن وجدها صالحة تركها وشارك في إنمائها، وإن وجدها بخلاف ذلك قطعها وأوجد بديلًا صالحًا لها.

ب ـ متابعتهم في أفكارهم وتصوراتهم، ومدى سلامتها أو فسادها، ليتدخل في الوقت المناسب قبل أن تنحرف به الطريق عن جادتها.

ج ـ متابعة هواياتهم ومجالات اهتمامهم عن بعد، لاسيما فيما يطالعون من كتب ومجلات ونشرات وفضائيات ومواقع الانترنت وغيرها، لأنها تعد من القنوات المؤثرة في تربيتهم.

د ـ متابعة الجوانب العاطفية لديهم، وعدم البخل عليهم بالعاطفة والحنان، لأن النفس بحاجة دائمة إلى هذا الجانب المهم الذي أغفله كثير من الناس، ولأن الولد أو الطفل إذا لم يجد العاطفة الكافية عند والديه أو مربيه فإنه سيبحث عنها في مصادر خارجية أخرى.

هـ ـ متابعة مصالحهم الشخصية وذلك بتأمين حوائجهم اللازمة وعدم حرمانهم من المقدور عليه ما دام ذلك الشيء يسهم في تربيتهم وعملهم بصورة إيجابية.

و ـ وكذلك ملاحظتهم ومتابعتهم في الخصال الـخُلقية والنفسية، كالغضب أو القلق أو الخوف أو الكذب أو عدم حفظ اللسان عن الكلام البذيء، وغيرها من الأمور التي قد تهوي بهم إلى الانحراف وإلى الأمراض النفسية.

5 ـ التربية بالعقوبة: لا يعني استخدام وسيلة العقوبة في التربية أن يكون ضربًا أو قسوة على الولد أو الناشئ، لأن العقوبة تتضمن أساليب كثيرة، مثل التنبيه والتوبيخ والهجر والضرب غير المبرح، ولا يستخدم هذه الأساليب بشكل عشوائي، لأن الأولاد يختلفون في مشاعرهم وأمزجتهم، فمنهم العصبي، ومنهم الهادئ، ومنهم المعتدل، وكذلك فإن المواقف والسلوكيات الصادرة من كل واحد منهم يحدد طبيعة هذه العقوبة، بل إن العقوبة تختلف أحيانًا من ولد إلى آخر على السلوك نفسه، وكل ذلك راجع إلى خبرة ولي الأمر أو المربي وذكائه في تشخيص الموقف ومعرفة نفسية الولد، ولكن يجب أن يوضع في الحسبان دائمًا أن العقوبات تبدأ من الأخف إلى الأشد، ومن الخطأ الفادح استخدام القسوة والعنف مع الناشئ أو الولد بشكل دائم؛ لأن ذلك يؤثر في نفوسهم وعلى اكتساب بعض الصفات السيئة، مثل الكره والخوف والحقد والانعزال وغيرها.

وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب التوبيخ مع أبي ذر ط حين عيّر أحد الصحابة بأمه، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ذر، أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية».

وأشار عليه الصلاة والسلام إلى أسلوب الضرب حين أمر الأولياء بتعليم أبنائهم الصلاة فقال: «...واضربوهم عليها وهم أبناء عشر».

كما قال الله تعالى عن نشوز النساء: âوَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًاá .