بحث عن بحث

سابعًا: المجتمع المسلم وصور من العمل الإيجابي

إن المجتمع المسلم القائم على توحيد الله تعالى وعبادته والالتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه فيه من القدرات والكفاءات البشرية ما يجعله يخطو خطوات كبيرة وثابتة في ميادين الحياة المختلفة، في الفكر والثقافة والاجتماع والاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها، والتي تعود إلى المجتمع والأمة بالمنافع الكبيرة والخيرات الكثيرة والنجاحات العملاقة.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال محورين أساسيين، هما: الميادين   أو الساحات، والبرامج أو الآليات :

أولاً: الميادين :

إن الساحات التي يمكن أن يتحرك فيها المسلم لتنمية هذه القدرات وتسخيرها بالشكل الصحيح كثيرة ومتنوعة، منها:

البيت: وهو النواة الأولى التي تكوّن المجتمع، ويمكن بناؤه منذ البداية على الأسس الإيمانية الثابتة التي تحافظ على سلامة أفراد الأسرة وتوجيههم نحو السُبل القويمة للانطلاق بشكل إيجابي في الحياة، من خلال غرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية قولًا وعملًا، واتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في جميع شؤونهم، والالتزام بما فرض الله عليهم من الواجبات من الأوامر والنواهي، وكذلك الإخلاص في العمل والإتقان فيه، والإحسان إلى الناس وحبّ الخير لهم، وغير ذلك من المقوّمات التي تكوّن شخصية الفرد داخل الأسرة ليكون عنصرًا إيجابيًا في الحياة.

2 ـ المسجد: وهو المحضن الثاني بعد البيت في التربية والتعليم، حيث يرتاده المسلم في اليوم خمس مرات، فلا بد أن يكون أحد المراكز العلمية والأخلاقية، التي تبني الإنسان بشكل إيجابي، من خلال التكافل الاجتماعي الذي يتجلى فيه بأسمى صوره، حين يتعارف المصلون من أهل الحي على بعضهم، وتنشأ العلاقات الوشيجة بينهم، فيشاركون بعضهم البعض في الأفراح والأتراح، ويمدّون يد العون والمساعدة للمحتاجين والمعوزين منهم، وهكذا.

وكذلك الدور الكبير الذي يؤديه في بناء الشخصية العلمية القويمة، من خلال خطب الجمعة التي تعالج القضايا الشرعية والإنسانية المختلفة، وإقامة الندوات والمحاضرات من أهل العلم المتخصصين في العلوم الشرعية، وغيرها من الفعاليات الأخرى مثل تحفيظ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

3 ـ المدرسة: وهي المحضن التربوي والتعلمي الثالث، ولها دور كبير في بناء شخصية الإنسان من الناحية العلمية والأخلاقية، حيث يستطيع المربِّي والمعلم داخل المدرسة أن يمارس العمل الإيجابي بشتى  الصور، من تعليم الطلاب العلوم التجريبية والتطبيقية في الرياضيات والفيزياء والأحياء، وتعليمهم العلوم الشرعية كالتوحيد والقرآن والسنة والفقه والتفسير، وكذلك يكون قدوة لهم في الأخلاق والآداب بالكلام الطيب والسلوك الحسن.

المؤسسات الأهلية المتنوعة: مثل دور تحفيظ القرآن الكريم، والجمعيات الخيرية، والتجمعات النسائية، ومراكز محو الأمية، وغيرها، فكل مؤسسة تؤدي دورها ورسالتها في بناء الإنسان الإيجابي، بالآلية التي تناسبها.

ثانيًا: البرامج:

وهي الآليات التي يمكن من خلالها القيام بعمل إيجابي يستفيد منه أكبر عدد من الناس، ومن هذه الآليات:

الانترنت والمواقع الإلكترونية: حيث تؤدي هذه الوسيلة دورًا مهمًا في بناء الإنسان المعاصر، وخاصة فئة الشباب والشابات، فهي التي تقوم بعملية التواصل بين الناس في مناطق العالم المختلفة، وتبادل المعلومات فيما بينهم، عبر الكتابات الإلكترونية على شكل مقالات أو مشاركات في المنتديات، كما أنها توصل بينهم عبر الرؤية المباشرة والتي يمكن الاستفادة منها بمحاضرة أو ندوة أو أي برنامج علمي ومعرفي.

براءة الاختراع: وهي من الأدوات المشجعة التي تحافظ على إيجابية الإنسان من الناحية التقنية، واستمراره وثباته في طريق التطوير والابتكار في المجال المتخصص فيه.

3 ـ تحفيظ القرآن الكريم: الذي هو من أجلّ الأعمال الإيجابية، من خلال دُور تحفيظ القرآن وتعليمه وتفسيره، الأمر الذي يجعل الإنسان ملتزمًا بأوامره ونواهيه، فيصبح مخلصًا في عمله، وعاليًا في سلوكه وأخلاقه مع الناس، وعالمًا بطبيعة الطريق نحو النجاح وتحقيق الأهداف.

تحفيظ السنة النبوية، وذلك بالعمل بما فيها من الأمر والنهي، وحمايتها من التدليس ودفع الشبهات عنها، وعن شخص النبي صلى الله عليه وسلم، لأن حفظ السنّة بهذا الشكل يزيد من فقه الإنسان وإدراكه بأمور دينه في الحلال والحرام، ومعرفته بمكائد الأعداء وطعونهم في هذا المصدر التشريعي المهم.

5 ـ المحاضرة: وهي من الوسائل المباشرة التي تغذّي الفكر، وتقوّم التصور عن الكون والحياة والإنسان، وبالتالي، تقوّم مسيرة الإنسان في الاتجاه الصحيح، ليتحول إلى عنصر إيجابي فاعل في المجتمع.

الإعلام: وهو من أشدّ الوسائل المؤثرة في تكوين الإنسان سلبًا أو إيجابًا، وعليه فيمكن استغلاله في بناء شخصية الإنسان على العمل الإيجابي، من خلال عرض الندوات العلمية والأخلاقية الهادفة، والبرامج العلمية التي تهتم بشؤون الناس ومعاناتهم ومشكلاتهم، وتبحث في آليات العلاج والخروج من المآزق والنوازل.

7 ـ التأليف والنشر: إن التأليف من الوسائل المكوّنة لشخصية الإنسان وتحديد مساره في الحياة، وهو ذو تأثير كبير وفعّال، لأنه خلاصة الفكر في تخصص معيّن بعد البحث والتمحيص والتدقيق، ثم تدوينها في الكتب ونشرها بين الناس، ولولا الكتاب والنشر لـمّا وصلت العلوم إلى هذا المستوى المتقدم في جميع فروعها وفنونها، الأمر الذي يساعد كثيرًا في بناء الإنسان وتقويم فكره وتصوره في الاتجاه الصحيح، ليصبح بعدها عنصرًا إيجابيًا في الحياة.

8 ـ العلاقات واستثمارها: وهي من الأدوات العملية في إيجاد الشخصية الإيجابية والعمل الإيجابي في الواقع، حيث يتواصل الإنسان مع أهل الخبرة والتجارب والمسؤوليات، فيأخذ منهم عوامل البناء الصحيح، ويستفيد من تجاربهم وتوجيهاتهم في تحديد مواطن الضعف والقوة في مسيرة كل واحد منهم العلمية والعملية، وبذلك يختصر الطريق نحو النجاح وتحقيق الأهداف المنشودة.

9 ـ الدورات العلمية: كلٌّ حسب تخصصه ومجاله، حيث تكسب صاحبه العلم والمعرفة وتطلعه على سبل التحصيل العلمي والعوائق التي تعترضها، كما أنها تزيد من طموحاته العلمية والمعرفية ليصل إلى أعلى درجاتها والحصول على أكبر الشهادات، وبالتالي المساهمة في إدارة المؤسسات العلمية، وإنجاز المشروعات الأكاديمية الكبيرة.

والآليات والبرامج كثيرة ومتنوعة، يُستغل جميعها في بناء الشخصية الإيجابية، كل حسب تخصصه والمجال الذي يناسبه.