بحث عن بحث

محاور الإيجابية في الحياة

أولاً: العمل الإيجابي

مفهوم العمل الإيجابي :

العمل الإيجابي هو كل عمل يقوم به الإنسان بناء على أمر من الله ورسوله، وتكون الغاية منه رضى الخالق تبارك وتعالى، فيدخل في العمل الإيجابي جميع أوامر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المفروضة والمستحبة، ومن ذلك جميع أعمال الخير التي فيها منفعة الناس، وتيسير شؤونهم، وكذلك يدخل فيه ترك المنهيات والمحرمات التي حذّر الشارع من إتيانها أو الوقوع فيها، بشرط أن تكون جميع هذه الأعمال والأفعال خالصة لله تعالى وامتثالًا لأمره.

فلا يمكن حصر العمل الإيجابي في مجال محدد، إذ أن الإيجابية تشمل جميع النواحي المتعلقة بحياة الإنسان وما يحيط به من المخلوقات والكائنات، أي أن الإيجابية مرتبطة بحركة الإنسان وتنقلاته وسلوكه وأفكاره وأعماله وإنتاجه وما يدعو إليه من المبادئ، وغيرها من الأمور.

أنواع العمل الإيجابي :

إن العمل الإيجابي ينقسم من حيث وجوبه واستحبابه إلى قسمين:

الأول: فرض، وهو ما أوجبه الله سبحانه وافترضه على عباده ابتداءً بتوحيده عزَّ وجلَّ، ثم بقية أركان الإسلام وغيرها من الواجبات.

الثاني: المستحب، ودائرته واسعة وكبيرة، فلكل واجب من الواجبات مستحبات وسنن، فالصلاة ـ مثلًا ـ، منها ما هو واجب كالصلوات الخمس، ومنها ما هو مستحب كالسنن الراتبة والوتر وصلاة الضحى وغيرها.

وينقسم المستحب من حيث نفعه للشخص نفسه، أو تعدي نفعه للآخرين، إلى قسمين :

الأول: ما هو قاصر على العبد نفسه، كالصلاة وقراءة القرآن والذكر وغيرها.

الثاني: ما يتعدى نفعه للآخرين، كالزكاة، وتعلم العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس وإعانة المحتاج، وإقامة المشاريع الخيرية.

والعمل الإيجابي من حيث الوقت ينقسم إلى قسمين :

الأول: منه ما هو محدد بوقت وزمن، كالصلاة المفروضة والصيام والحج.

الثاني: ومنه ما هو مطلق، كالصدقة المستحبة والأذكار المطلقة.

وكل ما ذُكر يشمله مسمى العمل الإيجابي.

العمل الإيجابي بين الممكن والمستحيل :

إن الله تعالى لم يكلف عباده إلا بالعمل الممكن المقدور عليه، ولم يكلفهم بعمل مستحيل فوق طاقتهم، لقول الله تعالى: âلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ á. وقوله تبارك وتعالى: âيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا á.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم سهلًا وميسرًا في هديه مع صحابته حتى إذا خيِّر بين أمرين أخذ بأيسرهما، فلم يكلف أحدًا من صحابته بأمر أو عمل لا يطيقه بل كان يقول: «عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى تملوا».

ولمعرفة هذه الحقيقة على الواقع يقول أبو هريرة ط: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: «ما لك»؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها»؟ قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»؟ قال: لا، فقال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا»؟ قال: لا، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر ـ والعرق : المكتحل ـ قال: «أين السائل»؟ فقال: أنا، قال: «خذها فتصدَّق به»، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ـ يريد الحرتين ـ أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: «أطعمه أهلك»».

ويتخلص مما سبق:

أن المقصود بالإيجابية: أن يعمل الفرد أعمالًا نافعة لنفسه أو لغيره، فيكون متفاعلًا مع نفسه ومع الآخرين.

أن الفرد الإيجابي هو الفرد العامل، الذي يحب الخير لنفسه ولغيره، ويتمتع بصفات تؤهله لذلك من الإخلاص، والمحبة، والجدية، والتفاعل مع الآخرين ومع الأشياء من حوله.

أن العمل الإيجابي: هو العمل النافع للنفس والمجتمع، المنضبط بالضوابط الشرعية، والذي يكون ذا قيمة إنتاجية للشخص أو لغيره، أو للمجتمع بعامة، أو للأمة بأسرها.

4 ـ أن المجتمع الإيجابي هو الذي تجتمع فيه عدة مقوّمات، هي:

أـ أن المجتمع الإيجابي، قائم على توحيد الله وإفراده وحده بالعبودية والطاعات، وإقصاء كل ما يخدش هذا التوحيد من إشراك الأشخاص والأحجار والكواكب وغيرها، مع الله جلّ وعلا في النفع أو الضرر.

ب ـ أن المجتمع الإيجابي، يقوم على التصور الصحيح لحقيقة وجود الإنسان بأنه خليفة الله في الأرض لقوله تعالى: âوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ á، وأنه إنما خُلق لعبادة الله وإقامة شرعه لقوله جلّ ثناؤه: âوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ á.

ج ـ أن المجتمع الإيجابي هو المجتمع الذي تذوب فيه العنصريات والقوميات، والحدود والأقاليم الجغرافية، ولا ينظر فيه إلى جنس الإنسان أو لونه أو غناه أو فقره، فهذه الاعتبارات كلها لا تعبّر عن حقيقة المجتمع، بل الأصل والأصلح لهذا المجتمع أن تكون قيمة الإنسان بما يقدمه من العمل الصالح والنافع لنفسه وأهله ومجتمعه وقد جاء هذا البيان واضحًا في قول الله تعالى: âيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ á، وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

وبذلك يصبح المجتمع حضاريًا ومنفتحًا على العالم وعلى الأعراق والألوان التي تعيش فيه، ولا يُنكر منها شيء ما دام التصور صحيحًا والعمل صالحًا.

هـ ـ المجتمع الإيجابي يقوم على العدالة والمساواة، فالحقوق مصانة لكل أفراده، والحكم يطبق على الجميع، دون تفريق بين شريف ووضيع، أو غني وفقير، أو أبيض وأسود، وقصة المرأة المخزومية التي سرقت شاهد عملي على ذلك، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في وساطة أسامة بن زيد: «أنه من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

وليس هذا للمسلم فحسب، بل يتعدى ذلك لغير المسلم الذي يعيش في المجتمع المسلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا».

و ـ المجتمع الإيجابي يقوم على أسس أخلاقية عالية، وشعاره العفة والفضيلة، لأنه يتمثل قول الله تعالى: âوَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا á. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله...».

ز ـ المجتمع الإيجابي يقوم على منح المرأة قدرها، ويضعها في مكانتها اللائقة بها والمتناسبة مع بنيتها وخلقتها الفسيولوجية والنفسية، فالمرأة جوهرة ثمينة في هذا المجتمع، ويجب حراستها وحمايتها من الأعين الخائنة، والأيادي الملوثة التي تحاول أن تخرجها من حصانتها ومكانتها الرفيعة، فليس من الحضارة ولا من التمدن أن نكلف المرأة أعباء ومسؤوليات مثل الرجل، كأن تخرج لتعمل جلّ أوقاتها خارج البيت، وتقوم بالأعمال اليدوية المختلفة، فهذا لا يليق بأنوثتها وطبيعتها، فهي نبع الحنان، ومربية الأجيال، ومسؤولة عن رعيتها داخل البيت في الدرجة الأولى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

كما يتبيَّن مدى اهتمام الإسلام بالمرأة منذ طفولتها من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابًا من النار يوم القيامة».

ح ـ المجتمع الإيجابي مجتمع شوري، يتمتع فيه كل إنسان برأيه، ويحترم آراء الآخرين، لقول الله تعالى: âوَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ á، وإذا حدث اختلاف لظهور بعض الأزمات والمستجدات فإنه يُرجع إلى أهل الاختصاص والخبرة لقوله تعالى: âفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ á.

ط ـ المجتمع الإيجابي قائم على التماسك والوحدة، ونابذ لعوامل الضعف والفرقة، امتثالًا لقول الله تعالى: âوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا á.

ي ـ المجتمع الإيجابي ـ باختصار ـ هو الذي يتفاعل أفراده، ومؤسساته لجلب الخير ونشره، ودرء الشر ومحاربته، وزرع الفضيلة، وكبح الرذيلة، وتنمية المحبة والرحمة والإخاء، ونفع الآخرين.

ونصل أخيرًا إلى أن مفهوم الإيجابية، ودائرة العمل الإيجابي واسعة، تتسع مع سعة قدرات الإنسان وما منحه الله تعالى من الحواس والفهوم والقدرات والمواهب.