بحث عن بحث

 

لمحات علمية من جهود السلف في خدمة السنة النبوية

لقد حظيت السنة النبوية ـ ولله الحمد والمنة ـ بجهود علمية كبيرة منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا زالت هذه الجهود تتوالى إلى عصرنا هذا فالمشاهد اليوم أن العلوم التي تخدم السنة النبوية أصبحت ـ ولله الحمد ـ في متناول طلاب العلم ومن خلال الكليات والمعاهد بمختلف أقسامها وفروعها وقام عليها العلماء والمختصون.

هذا في الجهد الرسمي، أما الجهد المؤسسي أو الأفراد فلا زال التنافس قائمًا، كما سيأتي بسطه في نهاية هذا المبحث - إن شاء الله تعالى – .

وهنا أذكر إشارات من منطلق الحث على فهم السنة ونشرها الوارد في مثل قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث المتواتر: «نضر الله امرءً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع»ومثل قوله عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية»وفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، وذلك بشيء من الإيجاز لضرورة المقام.

من هذه المنطلقات وغيرها تسابق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إلى تلقي السنة وتعلمها وتعليمها ونشرها، حتى أخذ كل عصر سماته التي يتسم بها.

ففي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم:

كان الاهتمام في عصره عليه الصلاة والسلام بالقرآن الكريم، حفظًا في الصدور وفي السطور، وفي بداية الأمر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة غيره لئلا يختلط به، فقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه».

لكن مع ذلك سمح بالكتابة لأفراد استأذنوا فأذن لهم؛ ووجدت كتب وصحائف، ومن ذلك ما أذن فيه لأبي شاه، وعبد الله بن عمرو بن العاص ن.

وفي عصر الخلفاء الراشدين:

امتدت الرقعة الإسلامية، وكثرت الفتوحات، واختلط المسلمون بغيرهم، وبدأ ظهور الخلاف والفرقة بين المسلمين.. ومع هذه العوامل وغيرها ظل الحديث سالـمًا ولله الحمد من التحريف، ودخول الوضع فيه لما تميز هذا العهد من ميزات منها:

1 ـ جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر وعهد عثمان م.

2 ـ تثبت الصحابة من رواية الحديث ـ كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

3 ـ قلة اختلاط الحديث بكلام الناس.

عصر ما بعد الخلفاء الراشدين:

لا شك أن عصر الخلفاء الراشدين ـ بظهور تلك العوامل ـ كان توطئة للاهتمام بالحديث، وعمل الجهود الحثيثة في ذلك لكن مع توسع الرقعة الإسلامية واختلاط غير المسلمين بالمسلمين احتاج المسلمون إلى تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يضيع وبخاصة وقد مات كثير من الصحابة رضوان الله عليهم.

فكان أول من شرع بذلك الإمام ابن شهاب الزهري : بأمر من الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز :، فكتب إلى عماله ومنهم أبو بكر بن حزم : أن: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) فاستجاب الإمام الزهري - رحمه الله -، ثم توالت الجهود في التصنيف والتقعيد حتى جاءت المائة الثالثة فكانت زهرة التصنيف في جمع الحديث وهي التي ظهر فيها الصحاح والسنن والمسانيد.

فاتسم هذا العصر بما يلي:

أ ـ جمع الأحاديث النبوية المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ب ـ ذكر بعض أقوال الصحابة والتابعين، ويظهر هذا في المصنفات والمسانيد أكثر منها في الصحاح .

ج ـ العناية بذكر الإسناد لكل حديث.

د ـ العناية بذكر الصحيح والحسن (المقبول) وشيء من الضعيف إلا من اشترط الصحة.

هـ ـ عدم النص على الحكم في الغالب.

و ـ عدم التعليق على الأحاديث.

ز ـ عدم اختلاط الحديث بغيره من كلام الناس.

ويعد القرن الثالث الانطلاقة الكبرى في بذل مزيد من الجهود الحديثية فتنوع التصنيف والتدريس وغيرها.

تلك مقدمة يسيرة عن تاريخ السنة وجهود السلف في جمعها؛ نلج من خلالها إلى جهود المحدثين في خدمة السنة وعلومها.

1 ـ جهود المحدثين فيما يتعلق بالإسناد:

الإسناد هو: الطريق الموصل للمتن، وهو الذي يبنى عليه في الغالب صحة الحديث من ضعفه، ولذلك اهتم به العلماء غاية الاهتمام منذ عهد مبكر حتى أصبح الإسناد خاصية من خصائص هذه الأمة، يقول أبو حاتم الرازي :: (لم يكن في أمة من الأمم منذ أن خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية :: (وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سلمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة، أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم، ويميزهم من أهل البدع والكفار، وإنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل).

ويقول الإمام مالك :: (إن هذا العلم لحمك ودمك، وعنه تسأل يوم القيامة فانظر عمن تأخذه)، والأقوال في أهمية الإسناد وبيان جهود المحدثين فيه أكثر من أن تحصر ويكتفى بما أشير إليه.

ومما ظهرت فيه جهود المحدثين في الإسناد، ما يلي:

أ ـ عنايتهم بأحوال الرواة، وتصنيفهم حسب درجاتهم من القوة والضعف، بل لا يكاد يوجد راوٍ إلا والبلاغ عنه حاصل، والمصنفات في الرجال أكثر من أن تحصر، بل قد تنوعت وتعددت فمنها:

ـ مصنفات في الرجال عامة مثل كتاب: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، والتاريخ الكبير للبخاري.

ـ مصنفات في الثقات خاصة كالثقات لابن حبان، وكالثقات للعجلي.

ـ مصنفات في الضعفاء خاصة، كالكامل لابن عدي، وميزان الاعتدال للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر.

ـ مصنفات في رجال طبقة معينة: كالمصنفات في الصحابة ومنها: الاستيعاب لابن عبد البر، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر.

ـ وأنواع من الطبقات: كالطبقات الكبرى لابن سعد، وتذكرة الحفاظ للذهبي.

ـ مصنفات في رجال كتب مخصوصة: مثل الكمال في أسماء الرجال ومتفرعاته: تهذيب الكمال، تذهيب التهذيب، وتهذيب التهذيب، وكلها في رجال الكتب الستة.

ـ المصنفات في رجال بلدان مخصوصة: كتاريخ بغداد وغيرها.

ب ـ عنايتهم باتصال الإسناد وانقطاعه، فألفت في ذلك بعض المؤلفات العامة في العلل كعلل الدارقطني، أو في انقطاع خاص كالمراسيل مثلًا.

ج ـ العناية بشؤون الوضاعين بمعرفتهم أو معرفة ما وضعوا حتى كشف الأئمة كل ما وضع في الحديث، وصنفوا في ذلك مصنفات إما بجمع الأحاديث الموضوعة، أو بكشف الوضاعين وبيان حالهم مثل: كتاب الموضوعات لابن الجوزي، واللآلي المصنوعة في معرفة الأحاديث الموضوعة للسيوطي وغيرها.

2 ــــ عناية المحدثين بالتقعيد العلمي لعلوم الإسناد والمتن:

ومما لا يخفى أن منهج المحدثين اعتمد على قواعد وأصول ونشأت مع بداية العناية بالحديث والإسناد، حتى أصبحت علوم الحديث، أو مصطلح الحديث، أو أصول الحديث علمًا مستقلا كبيرًا، بل قد تشعب إلى علوم متنوعة كما تدرسه جامعات اليوم.

ويعتمد هذا التقعيد على التطبيق من واقع المتون والأسانيد، وعمدة التقسيمات لهذا التقعيد:

ـ تقسيم الحديث من حيث وصوله إلينا.

ـ تقسيم الحديث من حيث قبوله وردّه.

ـ تقسيم الحديث من حيث نسبته إلى قائله.

ويندرج تحت هذه التقسيمات فروع كثيرة، لا يتسع هذا المقام لحصرها.

ويبلغ تطور هذا التقعيد درجات عليا حيث درس أهل العلم نظريًّا وتطبيقيًّا، ما يتعلق بلطائف الأسانيد مما له أثر مباشر أو غير مباشر على صحة الحديث أو ضعفه مثل رواية الآباء عن الأبناء والعكس، والسابق واللاحق، والمسلسل وغيرها، ومن أهم المصنفات في ذلك ـ ما بين مطول ومختصر ـ:

ـ علوم الحديث لابن الصلاح.

ـ فتح المغيث للحافظ السخاوي.

ـ توضيح الأفكار للحافظ الصنعاني.

ـ نخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني.

ـ تدريب الراوي للحافظ جلال الدين السيوطي.

3 ــــ عناية المحدثين بمتن الحديث:

متن الحديث ما ينتهي إليه السند من الكلام، ومن المعلوم أن الوصول إلى صحة هذا المتن ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الغاية التي تصل إليها دراسة الإسناد.

والحكم على الحديث يشمل الحكم على الإسناد والمتن، ولذلك اهتم المحدثون بهذا المتن الذي هو الغاية المقصودة.

ويمكن أن نلخص بعض مظاهر الاهتمام بالمتن في النقاط الآتية:

أ ـ التصنيف في علوم المتن المختلفة ومن أهمها جمع الحديث، وهذا الفن أخذ أشكالًا متعددة وأنماطًا مختلفة، منها:

  • التصنيف على المسانيد وهي التي صنفها أصحابها على مسانيد أسماء الصحابة مثل مسند الإمام أحمد، ومسند الحميدي، وأبي يعلى رحمهم الله تعالى.
  • التصنيف على الأبواب وهي أكثر تصنيفًا، ومنها: ما يعتني بجميع أبواب الدين مثل:

ـ الجوامع، وهي التي جمعت أبواب الدين مثل الصحيحين وجامع الثوري وابن عيينة ومعمر رحمهم الله تعالى.

ـ المستدركات وهي مما يستدركه المؤلف على آخر على شرطه مثل مستدرك الحاكم رحمه الله تعالى.

ـ المستخرجات، جمع مستخرج وهو أن يأتي المصنف المستخرج إلى كتب من كتب الحديث فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه في شيخه أو من رواءه، مثل: مستخرج الإسماعيلي، أبي عوانة، وأبي نعيم رحمهم الله تعالى.

ـ المجاميع: وهي جمع: مجمع، وهو كل كتاب جمع فيه مؤلفه أحاديث عدة مصنفات، ورتبه على ترتيب تلك المصنفات مثل الجمع بين الصحيحين للحميدي رحمه الله تعالى.

ـ الزوائد وهي كل كتاب جمع فيه مؤلفه ما يزيد على مصنفات أخرى مثل: مجمع الزوائد، والمطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية.

* تصنيف كتب تهتم بجمع أكثر أبواب الدين مثل:

ـ السنن، رتبت على الأبواب الفقهية كالسنن الأربعة.

ـ المصنفات، والمصنف هو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية فيجمع المرفوع والموقوف، مثل مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة.

ـ الموطّآت: مثل موطأ الإمام مالك.

* المصنفات المتعلقة في جانب من جوانب الدين أو باب من أبوابه مثل:

ـ الأجزاء، وهو الكتاب الصغير مثل جزء رفع اليدين للبخاري.

ـ الترغيب والترهيب للمنذري.

ـ الزهد والفضائل، ذم الغيبة لابن أبي الدنيا، الزهد لأحمد، رياض الصالحين... وهكذا.

ب ـ التصنيف في الشروح الحديثية على مناهج مختلفة مطولة ومختصرة، وهي كثيرة: فتح الباري شرح صحيح البخاري، شرح النووي على صحيح مسلم، عون المعبود شرح سنن أبي داود، تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، سبل السلام شرح بلوغ المرام، وغيرها.

ج ـ عنايتهم بعلوم المتن المختلفة والتصنيف فيها مثل: أسباب ورود الحديث، ناسخ الحديث ومنسوخه، محكم الحديث، مختلف الحديث.

ومن حيث نسبته: المرفوع، الموقوف، المقطوع، الحديث القدسي وغيرها.

د ـ اهتمامهم بسلامة المتن من العلل القادحة فيه: وأنها تنقسم إلى قسمين: ظاهرة وخفية، كالعلل للدارقطني، العلل لابن أبي حاتم وغيرهما.

هـ ـ اهتمامهم بالمعنى وسلامته من التغيير، وتظهر هذه العناية فيما يلي:

ـ بيان التصحيف والتحريف الواقع في الحديث، وهذا فيه مصنفات خاصة كالتصحيف والتحريف للعسكري.

ـ بيان أحوال المدرج، والمقلوب، والمضطرب، والشذوذ والنكارة وغيرها، سواء في شروح الحديث أو في مؤلفات خاصة.

و ـ اهتمامهم بالمتن من حيث نقده، وقد وضعوا لذلك قواعد دقيقة، وقد أحسن الإمام ابن القيم : في جمعها في كتابه الجيد: المنار المنيف في الحديث الضعيف.

ومن تلك القواعد للفائدة:

ـ مخالفته لصريح القرآن.

ـ مخالفته لصريح السنة.

ـ مخالفته للإجماع القطعي.

ـ مخالفته لصريح العقل.

ـ ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها وغيرها.

ز ـ اهتمامهم بكشف الوضّاعين وأحاديثهم الموضوعة، ووضع القواعد التي يعرف من خلالها الحديث الموضوع.