بحث عن بحث

ثالثًا: الحث على فهم السنة النبوية والعمل بها :

بناءً على ما سبق بيانه من أهمية السنة النبوية وحجيتها وعظم شأنها يتجلى لنا أهمية وضرورة فهمها الفهم الصحيح ودراستها والعمل بما جاء فيها وتطبيقها بالصورة الصحيحة.

وقد تظافرت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة على هذا الأمر العظيم، بأساليب متعددة، مباشرة وغير مباشرة، ونستعرض هنا شيئًا من ذلك:

أولًا: النصوص القرآنية التي تحث على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع سنته وفهمها والعمل بها .

1 ـ أوضح الله سبحانه وتعالى وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما تجب طاعته جل وعلا، وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الواجبات، وأهم فروض الأعيان، بل لا يتم معرفة مراد الله تعالى إلا بطاعته.

يقول سبحانه وتعالى: âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَá [الأنفال: 20]، ويقول سبحانه: âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْá [محمد: 33]، ويقول سبحانه: âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْá [النساء: 59].

ولعظم الأمر رتّب على الطاعة الفلاح والهداية والفوز العظيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: âوَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُá [النور: 54]، ويقول سبحانه: âوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاá [الأحزاب: 71]، ويقول سبحانه: âوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُá [النساء: 13].

2 ـ ذكر سبحانه الأمر الصريح بوجوب تنفيذ أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتناب نواهيه، قال سبحانه: âوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواá [الحشر: 7].

3 ـ التوجيه الصريح أيضًا بوجوب التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: âلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَá [الأحزاب : 21].

4 ـ أمر الله سبحانه وتعالى بالرجوع إليه صلى الله عليه وسلم في حياته عند الاختلاف، وإلى سنته وحكمه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، ويجب أن يكون ذلك الرجوع بنفس مطمئنة راضية، وبدون حرج أو تململ أو تلكؤ، ولا شك أن هذا التوجيه يحتم دراسة هذه السنة وفهمها وتطبيقها، قال تعالى: âفَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًاá [النساء : 59]، وفي ضرورة نفي الحرج عن النفس حال الرجوع يقول سبحانه: âفَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاá [النساء : 65].

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عند قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضًا بذلك حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا).

5 ـ وهو مبني على ما سبق لكنه يؤكد قوة التسليم فيضفي قوة على وجوب الإتباع، قال تعالى: âوَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ á [الأحزاب: 36].

6 ـ ذكر سبحانه التحذير الشديد لمن يخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعه، كالذين يخالفون أوامره، أو يرتكبون نهيه، أو يصدون عن سنته، أو يطعنون فيها، أو يؤولونها تأويلات بعيدة عن هديه صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: âفَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌá [النور: 63].

7 ـ ومع هذا التحذير فقد وسم أصحاب تلك المخالفات بالمنافقين وتوعدهم الوعيد الشديد أيضًا، قال تعالى: âأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ÇÏÉÈوَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًاÇÏÊÈفَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ÇÏËÈأُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا á [النساء : 60 – 63].

يقول العلامة ابن القيم : معلقًا على ما سبق من الآيات: (إن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدون من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته). ا.هـ.

8 ـ وجه آخر يستشهد به على ضرورة طاعته، وهو بيان هداية المتبع له لخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: âوَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍá [الشورى : 52]، وقال سبحانه:        âفَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَá [الأعراف: 157].

9ـ ومن ذلكم أن الله سبحانه علّق محبته على اتباع هديه صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم الأدلة وأوضحها على وجوب طاعته واتباع هديه، وفهم سنته، قال تعالى: âقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُá[آل عمران: 31].

ثانيًا: الحث على طاعته واتباع سنته وفهمها وتطبيقها من السنة المطهرة، جاء ذلك من عدة أوجه من السنة، ومن ذلك:

1 ـ الحث على طاعته صراحة، وأنها من طاعة الله تعالى، وهذا يحتم ضرورة فهمها وتطبيقها، روى البخاري وغيره عن أبي هريرةرضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». فنلحظ هنا تعليق دخول الجنة ـ وهي الغاية العظمى التي يسعى إليها ـ على طاعته واجتناب معصيته.

2 ـ أنه جعل طاعته من طاعة الله سبحانه وتعالى، روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني».

3 ـ أنه جعل محبته أعظم المحاب وأعلاها، وهذه لا تكون إلا لمطاع، فيجب فهم سنته وطاعته حتى يوصل إلى هذه الغاية العظمى، روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

بل لا يجد طعم الإيمان إلا من اتصف بهذه الصفة، فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...» الحديث.

وبلا شك أن هذه المحبة لا تكمل إلا بطاعته صلى الله عليه وسلم: âقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُá[آل عمران: 31].

4 ـ الحث الصريح على التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم واتباعها والعض عليها بالنواجذ، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منا القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإن من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».

يقول ابن رجب :: (وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما يقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان عليه هو وأصحابه، ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي: الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال الأقوال، وهذه هي السنة الكاملة).

5 ـ في مقابل الطاعة حذر عليه الصلاة والسلام من مخالفته، أو التقول عليه، أو إحداث أمر في الدين من غير ما جاء به صلى الله عليه وسلم، وهذا كله يوجب فهم سنته واتباعها على الوجه السليم، روى مسلم وغيره عن عائشة ك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وروى البخاري ومسلم في التحذير عن مخالفة السنة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

6 ـ وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يستقرئ الزمن القادم بالنسبة له، من أن أناسا سيرفضون هذه السنة المباركة ويكتفون بالقرآن فيحذر عليه الصلاة والسلام من هذا المسلك الخطير المشين الذي يترتب عليه عدم اتباع السنة وفهمها عن المقدام بن معديكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمر الأهلية ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه».

يقول الخطابي :: (يحذر بذلك من مخالفة السنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي تضمنت بيانا للكتاب فتحيروا وضلوا).

7 ـ حث الرسول صلى الله عليه وسلم على تبليغ سنته ونشرها بين الناس، وعلى تعلمها وتعليمها، فقال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية».

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنضارة في الدنيا والآخرة لمن اهتم بالسنة ونشرها كما في الحديث المتواتر: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع».

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في بيانه رائعة يقول فيها صلى الله عليه وسلم: «تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم».

وهكذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على البيضاء ليلها كنهارها فبلغ رسالة ربه وأداها حق الأداء وأوضح لصحابته ومن جاء بعدهم القويم âقُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِيá[يوسف: 108].

كل هذا يدل دلالة واضحة على الحث على فهم السنة والعمل بها، ومواصلة ذلك.