بحث عن بحث

مجالات إعمال العقل :

لقد كرّم الله تعالى الإنسان بهذا العقل وميزه على غيره من المخلوقات فبيَّن سبحانه المجالات العظيمة التي يستثمر فيها العقل، والميادين التي يجول فيها ليصل إلى استثمار هذا الكون، والسير بها على المنهج الصحيح لعبادة الله تعالى، والفوز بنعيم الآخرة، ورضوان الله تعالى، ومن تلك المجالات:

1- إناطة التفكر والنظر في ملكوت الله سبحانه وتعالى، والتدبر والتعمق فيما خلق الله سبحانه، قال تعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ [يونس: 101] وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 190 – 194]، وقال سبحانه: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ...﴾[الأعراف: 185] فبين الله هذه المهمة الكبيرة التي توصل الإنسان إلى ما أودعه الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، ومن ثَمَّ تقوده إلى أعظم ما يسعده في دنياه وآخرته وهو إيمانه بالله جل وعلا.

2- حثه على الانتفاع بالموعظة والذكر، والمنتفعون بها هم أهل العقول السليمة، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف: 111]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾        [البقرة: 239]، وقال تعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ [الأعلى: 10]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 35].

هذا غيظ من فيض من الآيات المثبتة للمستفيدين من المواعظ، أنهم أصحاب العقول، وهذا يتضمن التوجيه لذلك، وأن من لم يستفد فقد حاد عن الطريق المستقيم، وتاه في الطرق المظلمة.

3- حثه على الوصول إلى العلم النافع، وإلى الحقائق ويدل على هذا عدة أمور منها:

أ – ثناء الله سبحانه وتعالى على أهل العقول السليمة الذين يفقهون أوامره وتشريعه كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179]، فدل على أن الذي يفقه حكمة التشريع من القصاص هم أولو الألباب، وكذلك بعد أن ذكر سبحانه بعض أحكام الحج قال سبحانه: ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

ب – ذمَّ سبحانه المقلدين الذين ألغوا عقولهم واتبعوا أسلافهم على جاهليتهم، ولم يتفكروا في خلق الله سبحانه وتعالى ولا في تشريعه جل وعلا، قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ÇÊÐÉÈوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 170 – 171].

فجعل الله سبحانه هؤلاء المقلدين كالأنعام البهيمة التي تسير بدون عقل، وقد قال سبحانه عن هؤلاء: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22].

وبلا ريب أن هذا الذم لهؤلاء يحفز على استعمال العقل واستثماره للوصول إلى العلم المفيد للإنسان.

حـ - وذمه للخرافة، ومحاربته لها، ولكل وتصديق مالا تقره العقول السليمة، وهذا يتضح من خلال جملة نصوص عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامّة ولا صفر»، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا غول ولا صفر»، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، وعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة».

فهذه النصوص بمجموعها دعوة جليلة في تحرير العقل من كل ما يشينه من الخرافات والخزعلات والاعتقادات الباطلة المبنية على مجرد الأوهام.

4- جعل الإسلام العقل مصدرًا من مصادر العلم والمعرفة، وبخاصة مسائل الاعتقاد الكبرى كالإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولذا كثرت مخاطبة المولى جل وعلا في القرآن الكريم لأهل العقول، ولفت أنظارهم إلى الكون وما فيه ليصلوا إلى هذا الإيمان، ومن ثم عبودية الله تعالى، ولا يصل إلى هذه الحقائق إلا أصحاب العقول السوية، يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 46]، وكما سبق أيضًا في قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾[آل عمران: 190 – 194].

والآيات الدالة على التفكر في الكون من خلال العقل للوصول إلى العلم والمعرفة أكثر من أن تحصر وفيما ذكر كفاية وغنية.

وهذا من شأنه الحث على تحريك العقل تحريكًا يقود إلى العلم ويوصل إلى حقائق الأشياء، ومن ثم سعادة الدارين.