بحث عن بحث

الأداة الرابعة: جمع النصوص المتعلقة بموضوع واحد:

من الأمور المهمة في فهم السنة فهما صحيحا أن تجمع الأحاديث الصحيحة في الموضوع الواحد، بحيث يرد متشابهها إلى محكمها، ويحمل مطلقها على مقيدها، ويفسر عامها بخاصها، وبذلك يتضح المعنى المراد منها، ولا يضرب بعضها ببعض.

وإذا كان من المقرر أن السنة تفسر القرآن الكريم، وتبينه، بمعنى أنها تفصل مجمله، وتفسر مبهمه، وتخص عمومه، وتقيد إطلاقه، فأولى ثم أولى أن يراعى ذلك في السنة بعضها مع بعض.

ولذلك كان جمع ألفاظ الحديث الواحد في مكان واحد، وجمع طرقه المختلفة من المهمات لفهم الحديث وإدراك معناه، ولنفي الانحراف والخطأ في فهمه فيما لو اقتصر على الأخذ بلفظ واحد دون النظر في رواياته المختلفة وزياداته.

قال الإمام يحيى بن معين: (لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه).

وقال الإمام أحمد: (الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا).

وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: الحديث إذا لم يكن عندي من مائة وجه أعد فيه نفسي يتيمًا.

ومن الأمثلة على ذلك: ما ورد في «موضوع المزارعة» في كتب الحديث، حيث ورد في هذا الموضوع عدة أنواع من الأحاديث يكمل بعضها الآخر.

فقد روى البخاري عن أبي أمامة الباهلي أنه قال ـ حين نظر إلى آلة حرث ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل».

ووردت أحاديث أخرى كثيرة تحث على الزراعة، منها:

ما رواه البخاري وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».

ومنها: ما رواه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة» وغير ذلك من الأحاديث التي تحث على الزراعة.

والمعنى الظاهر للحديث الأول يفيد كراهية الرسول صلى الله عليه وسلم للحرث والزراعة التي تفضي إلى ذل العاملين فيها، وهذا المعنى الظاهر غير مراد لمعارضته للنصوص الصحيحة الصريحة الأخرى التي تفيد أن الإسلام لا يذم الزراعة وإنما يحث عليها ويرغب فيها، وأن المسلم الزارع أو الغارس مثاب مأجور عند الله له ثواب الصدقة على ما يؤخذ من ثمرة غرسه، ولو لم يكن له فيه نية، مثل ما يأكله الحيوان والطير، وما يسرق منه السارق، وهي صدقة باقية دائمة غير منقطعة ما دام هناك كائن حي ينتفع بهذا الغرس أو الزرع، وهذا ما جعل بعض العلماء قديمًا يقولون: إن الزراعة هي أفضل المكاسب.

وفي تأويل حديث أبي أمامة بعد أن ضُمَّ مع بقية الأحاديث في ذات الموضوع يقول الحافظ ابن حجر :: (وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس، وذلك بأحد أمرين: «إما أن يجعل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيّع بسببه ما أُمر بحفظه، وإما أن يُحمل على ما إذا لم يضيّع إلا أنه جاوز الحد فيه».

وبعض الشراح قال: «هذا لمن يقرب من العدو، فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية، فيتأسد عليه العدو، فحقهم أن يشتغلوا بالفروسية وعلى غيرهم إمدادهم بما يحتاجون إليه».

كما أننا إذا نظرنا إلى الحديث الذي رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه، حتى ترجعوا إلى دينكم» فإننا نجد أن هذا الحديث ألقى إرشادًا للمراد من حديث أبي أمامة، وتبين أن المقصود به الإخلاد إلى الزراعة والدنيا والشؤون الخاصة، وإهمال الواجبات ومنها الجهاد، وكشف لنا عن أسباب الذل الذي يسلط على الأمة جزاءً وفاقا لتفريطها في أمر دينها، بتحايلها على أكل الربا بصور من التعامل ظاهرها الحل وباطنها الحرام المؤكد، وإهمالها ما يجب عليها رعايته من أمر دنياها.

وهكذا نرى أنه بمجموع الروايات يتبين مراد الحديث، واتضح لنا أن الاكتفاء بظاهر حديث واحد ـ دون النظر في بقية الأحاديث وسائر النصوص المتعلقة بموضوعه ـ كثيرًا ما يوقع في الخطأ ويبعد الناظر فيه عن جادة الصواب، وعن المقصود الذي سبق له الحديث.

¡¡¡

ما سبق ذكره هو القاعدة في النظر إلى الحديث أو الأحاديث فإذا تبين ذلك يقال:

ـ الأصل أن يعمل بالحديث أو الأحاديث مجتمعة فهي تتكامل لأداء المعنى المراد.

وهذا ما يعبر عند علماء المصطلح بـ (المحكم) وهو الحديث المقبول الذي سلم من معارضه.

ـ أما إذا كان له معارض مثله فهو ما يعبر عنه بـ: (مختلف الحديث) بمعنى أن الحديث المقبول إذا جاء حديث آخر يناقضه ـ ظاهرًا ـ في معناه وهو مساوٍ له في الرتبة فهذا الذي يحتاج إلى أعمال قاعدة مختلف الحديث.

والقاعدة هنا:

1 ـ إما أن يمكن الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض فحينئذٍ يتعين الجمع، ويجب العمل به، وهذا مثاله: قوله - عليه الصلاة والسلام - في الزكاة: «فيما سقت السماء العشر» وهذا حديث صحيح رواه البخاري وأصحاب السنن، وظاهره يتعارض مع قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» وهذا أيضًا حديث صحيح رواه الشيخان وغيرهما والتعارض هنا بأن الحديث الأول جاء عامًا دون ذكر نصاب معين للزكاة، والثاني حدد النصاب بـ(خمسة أوسق) والجمع بينهما في تقديم الخاص على العام فالثاني هو الخاص، والأول هو العام.

2 ـ وإما لا يمكن الجمع بينهما فيلجأ إلى الترجيح، ويبدأ بالنسخ فإذا علم أن أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا قُدِّم العمل بالناسخ، وترك المنسوخ مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» فهذا عرف المتقدم وهو النهي عن زيارة القبور فيعمل بالمتأخر وهو الإباحة.

فإذا لم يتبين نسخٌ عمل بأي مرجح من المرجحات، وهي كثيرة جدًّا أوصلها بعض العلماء إلى أكثر من خمسين وجهًا، منها ما يتعلق بالإسناد، ومنها ما يتعلق بالمتن، وهي موجودة مفصلة في مظانها من كتب المصطلح والأصول.

وإذا لم يتبين مرجح ـ وهو نادر جدًّا ـ يُتوقف حتى يظهر مرجح.

¡¡¡

وإذا ذكر (مختلف الحديث) يأتي مصطلح: (مشكل الحديث) وهو أعم من مختلف الحديث إذا الإشكال كما يأتي في الحكم المستنبط من الحديث يأتي من لفظة، أو كلمة، أو زيادة في الإسناد، أو زيادة في المتن، وكما يأتي من مجموع الأحاديث يأتي من حديث واحد.

ولذا اعتنى العلماء بـ (المحكم) و(المختلف) و(المشكل) وجعلها بعضهم من أنواع العلل القوية التي تحتاج إلى دقة في النظر.